×
الفجرالآية ١٤

دقائق التفسير — ابن تيمية

إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴿١٤﴾

الْفجْر ٨٩ ١٤ وَالثَّالِث هَذَا صِرَاط على استقامته أَي أَنا ضَامِن لاستقامته بِالْبَيَانِ والبرهان قَالَ وَقَرَأَ قَتَادَة وَيَعْقُوب (هَذَا صِرَاط عَليّ) أَي رفيع (قلت) هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة قد ذكرهَا من قبله كَالثَّعْلَبِيِّ والواحدي وَالْبَغوِيّ وَذكروا قولا رَابِعا فَقَالُوا وَاللَّفْظ لِلْبَغوِيِّ وَهُوَ مُخْتَصر الثَّعْلَبِيّ قَالَ الْحسن مَعْنَاهُ صِرَاط إِلَى مُسْتَقِيم وَقَالَ مُجَاهِد الْحق يرجع إِلَيّ وَعَلِيهِ طَرِيقه لَا يعرج على شَيْء وَقَالَ الاخفش يَعْنِي على الدّلَالَة على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَقَالَ الْكسَائي هَذَا على التهديد والوعيد كَمَا يَقُول الرجل لمن يخاصمه طريقك عَليّ أَي لَا تفلت مني كَمَا قَالَ تَعَالَى وَقيل مَعْنَاهُ على استقامته بِالْبَيَانِ والبرهان والتوفيق وَالْهِدَايَة فَذكرُوا الْأَقْوَال الثَّلَاثَة وَذكروا قَول الاخفش على الدّلَالَة على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَهُوَ يشبه القَوْل الْأَخير لَكِن بَينهمَا فرق فَإِن ذَاك يَقُول على استقامته بِإِقَامَة الْأَدِلَّة فَمن سلكه كَانَ على صِرَاط مُسْتَقِيم وَالْآخر يَقُول أَن أدل الْخلق عَلَيْهِ بِإِقَامَة الْحجَج فَفِي كلا الْقَوْلَيْنِ أَنه بَين الصِّرَاط الْمُسْتَقيم بِنصْف الْأَدِلَّة لَكِن هَذَا جعل عَلَيْهِ الدّلَالَة عَلَيْهِ وَهَذَا جعل عَلَيْهِ استقامته أَي بَيَان استقامته وهما متلازمان وَلِهَذَا وَالله أعلم لم يَجعله أَبُو الْفرج قولا رَابِعا وَذكروا الْقِرَاءَة الْأُخْرَى عَن يَعْقُوب وَغَيره أَي رفيع قَالَ الْبَغَوِيّ وَعبر بَعضهم عَنهُ رفيع أَن ينَال مُسْتَقِيم أَن يمال (قلت) القَوْل الصَّوَاب هُوَ قَول أَئِمَّة السّلف قَول مُجَاهِد وَنَحْوه فَإِنَّهُم أعلم بمعاني الْقُرْآن لَا سِيمَا مُجَاهِد فَإِنَّهُ قَالَ عرضت الْمُصحف على ابْن عَبَّاس من فاتحته إِلَى خاتمته أقفه عِنْد كل آيَة وأسأله عَنْهَا وَقَالَ الثَّوْريّ إِذا جَاءَك التَّفْسِير عَن مُجَاهِد فحسبك بِهِ وَالْأَئِمَّة كالشافعي وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَنَحْوهم يعتمدون على تَفْسِيره وَالْبُخَارِيّ فِي صَحِيحَة أَكثر مَا يَنْقُلهُ من التَّفْسِير يَنْقُلهُ عَنهُ وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَعلَى التَّابِعين بِالْبَصْرَةِ وَمَا ذَكرُوهُ عَن مُجَاهِد ثَابت عَنهُ رَوَاهُ النَّاس كَابْن أبي حَاتِم وَغَيره من تَفْسِير وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله (هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم) الْحق يرجع الى الله وَعَلِيهِ طَريقَة لَا يعرج على شَيْء وَذكر عَن قَتَادَة أَنه فَسرهَا على قِرَاءَته وَهُوَ يقْرَأ عَليّ فَقَالَ أَي رفيع مُسْتَقِيم وَكَذَلِكَ ذكر ابْن أبي حَاتِم عَن السّلف أَنهم فسروا آيَة النَّحْل فروى من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد قَوْله ﴿قصد السَّبِيل﴾ قَالَ طَرِيق الْحق على الله قَالَ وروى السّديّ أَنه قَالَ الاسلام وَعَطَاء قَالَ هِيَ طَرِيق الْجنَّة فَهَذِهِ الْأَقْوَال قَول مُجَاهِد وَالسُّديّ وَعَطَاء فِي هَذِه الْآيَة هِيَ مثل قَول مُجَاهِد وَالْحسن فِي تِلْكَ الْآيَة وَذكر ابْن أبي الحاتم من تَفْسِير الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله قَالَ وَالْآيَة على هَذِه الْقِرَاءَة خبر يتَضَمَّن وعيدا (قلت) هَذَا قَول لم ينْقل عَن أحد من عُلَمَاء التَّفْسِير لَا فِي هَذِه الْآيَة وَلَا فِي نظيرها وَإِنَّمَا قَالَه الْكسَائي لما أشكل عَلَيْهِ معنى الْآيَة الَّذِي فهمه السّلف وَدلّ عَلَيْهِ السِّيَاق والنظائر وَكَلَام الْعَرَب لَا يدل على هَذَا القَوْل فَإِن الرجل وَإِن كَانَ يَقُول لمن يتهدده ويتوعده على طريقك فَإِنَّهُ لَا يَقُول إِن طريقك مُسْتَقِيم وَأَيْضًا فالوعيد إنم يكون للمسيء لَا يكون للمخلصين فَكيف يكون قَوْله هَذَا إِشَارَة إِلَى انقسام النَّاس إِلَى غاو ومخلص وَطَرِيق هَؤُلَاءِ غير طَرِيق هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ سلكوا الطَّرِيق الْمُسْتَقيم الَّتِي تدل على الله وَهَؤُلَاء سلكوا السَّبِيل الجائرة وَأَيْضًا فَإِنَّمَا يَقُول لغيره فِي التهديد طريقك عَليّ من لَا يقدر عَلَيْهِ فِي الْحَال لَكِن ذَاك يمر بِنَفسِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَمَكن مِنْهُ كَمَا كَانَ أهل الْمَدِينَة يتوعدون أهل مَكَّة بِأَن طريقكم علينا لما تهددوهم بأنكم آويتم مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه كَمَا قَالَ أَبُو جهل لسعد بن معَاذ لما ذهب سعد إِلَى مَكَّة إِلَّا أَرَاك تَطوف بِالْبَيْتِ أمنا وَقد آويتم الصباة وزعمتم أَنكُمْ تنصرونهم فَقَالَ لَئِن منعتني هَذَا لأمنعنك مَا هُوَ أَشد عَلَيْك مِنْهُ طريقك على الْمَدِينَة أَو نَحْو هَذَا فَذكر أَن طريقهم فِي متجرهم إِلَى الشَّام عَلَيْهِم فيتمكنون حِينَئِذٍ من جزائهم وَمثل هَذَا الْمَعْنى لَا يُقَال فِي حق الله تَعَالَى فَإِن الله قَادر على الْعباد حَيْثُ كَانُوا كَمَا قَالَت الْجِنّ