دقائق التفسير — ابن تيمية
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى ﴿١﴾
وَقَالَ ﴿بِسم الله﴾ فَفِي الْجَمِيع الْمَذْكُور هُوَ اسْم الله وَإِن تعدد الذّكر والذاكر فَالْخَبَر الْوَاحِد عَن الْمخبر الْوَاحِد من مخبره وَالْأَمر الْوَاحِد بالمأمور بِهِ من الْآمِر الْوَاحِد بِمَنْزِلَة الِاسْم الْوَاحِد لمسماه هَذَا فِي الْمركب نَظِير هَذَا فِي الْمُفْرد وَهَذَا هُوَ وَاحِد بِاعْتِبَار الْحَقِيقَة وَبِاعْتِبَار اتِّحَاد الْمَقْصُود وَإِن تعدد من يذكر ذَلِك الِاسْم وَالْخَبَر وتعددت حركاتهم وأصواتهم وَسَائِر صفاتهم
وَأما قَول الْقَائِل إِن قُلْتُمْ إِن هَذَا نفس كَلَام الله فقد قُلْتُمْ بالحلول وَأَنْتُم تكفرون الحلولية والاتحادية فَهَذَا قِيَاس فَاسد مِثَاله مِثَال رجل ادّعى أَن النَّبِي ﷺ يحل بِذَاتِهِ فِي بدن الَّذِي يقْرَأ حَدِيثه فَأنْكر النَّاس ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالُوا إِن النَّبِي ﷺ لَا يحل فِي بدن غَيره فَقَالَ أَنْتُم تَقولُونَ إِن الْمُحدث يقْرَأ كَلَامه وَإِن مَا يقرأه هُوَ كَلَام النَّبِي ﷺ فَإِذا قُلْتُمْ ذَلِك فقد قُلْتُمْ بالحلول وَمَعْلُوم أَن هَذَا فِي غَايَة الْفساد
وَالنَّاس متفقون على إِطْلَاق القَوْل بِأَن كَلَام زيد فِي هَذَا الْكتاب وَهَذَا الَّذِي سمعناه كَلَام زيد وَلَا يستجيز الْعَاقِل إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ هُوَ نَفسه فِي هَذَا الْمُتَكَلّم أَو فِي هَذَا الْوَرق وَقد نطقت النُّصُوص بِأَن الْقُرْآن فِي الصُّدُور كَقَوْل النَّبِي ﷺ استذكروا الْقُرْآن فَلَهو أَشد نفلتا من صُدُور الرِّجَال من النعم فِي عقلهَا وَقَوله الْجوف الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْء من
الْقُرْآن كالبيت الخرب وأمثال ذَلِك وَلَيْسَ هَذَا عِنْد عَاقل مثل أَن يُقَال الله فِي صدورنا وأجوافنا وَلِهَذَا لما ابتدع شخص يُقَال لَهُ الصُّورِي بِأَن من قَالَ الْقُرْآن فِي صدورنا فقد قَالَ بقول النَّصَارَى فَقيل لِأَحْمَد قد جَاءَت جهمية رَابِعَة أَي جهمية الخلقية واللفظية والواقفية وَهَذِه الرَّابِعَة اشْتَدَّ نكيره لذَلِك وَقَالَ هَذَا أعظم من الْجَهْمِية وَهُوَ كَمَا قَالَ
فَإِن الْجَهْمِية لَيْسَ فيهم من يُنكر أَن يُقَال الْقُرْآن فِي الصُّدُور وَلَا يشبه هَذَا بقول النَّصَارَى بالحلول إِلَّا من هُوَ فِي غَايَة الضَّلَالَة والجهالة فَإِن النَّصَارَى يَقُولُونَ الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس إِلَه وَاحِد وَإِن الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ اللاهوت تدرعت الناسوت وَهُوَ عِنْدهم إِلَه يخلق ويرزق وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَيَقُولُونَ الْمَسِيح ابْن الله وَلِهَذَا كَانُوا متناقضين فَإِن الَّذِي تدرع الْمَسِيح إِن كَانَ هُوَ الْإِلَه الْجَامِع للأقانيم فَهُوَ الْأَب نَفسه وَإِن كَانَ هُوَ صفة من صِفَاته فالصفة لَا تخلق وَلَا ترزق وَلَيْسَت إِلَهًا والمسيح عِنْدهم إِلَه وَلَو قَالَ النَّصَارَى إِن كَلَام الله فِي صدر الْمَسِيح كَمَا هُوَ فِي صُدُور سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ لم يكن فِي قَوْلهم مَا يُنكر
فالحلولية المشهورون بِهَذَا الِاسْم من يَقُول بحلول الله فِي الْبشر كَمَا قَالَت النَّصَارَى والغالية من الرافضة وغلاة أَتبَاع الْمَشَايِخ أَو يَقُولُونَ بحلوله فِي كل شَيْء كَمَا قَالَت الْجَهْمِية أَنه بِذَاتِهِ فِي كل مَكَان وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِي مخلوقاته شَيْء من ذَاته وَلَا فِي ذَاته شَيْء من مخلوقاته وَكَذَلِكَ من قَالَ باتحاده بالمسيح أَو غَيره أَو قَالَ باتحاده بالمخلوقات كلهَا أَو قَالَ وجوده وجود الْمَخْلُوقَات أَو غير ذَلِك
فاما قَول الْقَائِل إِن كَلَام الله فِي قُلُوب أنبيائه وعباده الْمُؤمنِينَ وَإِن الرُّسُل بلغت كَلَام الله وَالَّذِي بلغته هُوَ كَلَام الله وَإِن الْكَلَام فِي الصَّحِيفَة وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا لَا يُسمى حلولا وَمن سَمَّاهُ حلولا لم يكن بتسميته لذَلِك مُبْطلًا للحقائق وَقد تقدم أَن ذَلِك لَا يَقْتَضِي مُفَارقَة صفة الْمَخْلُوق لَهُ وانتقالها إِلَى غَيره فَكيف صفة الْخَالِق ﵎ وَلَكِن لما كَانَ فِيهِ شُبْهَة الْحُلُول تنَازع النَّاس فِي إِثْبَات لفظ الْحُلُول ونفيه عَنهُ هَل يُقَال إِن كَلَام الله حَال فِي الْمُصحف أَو حَال فِي الصُّدُور وَهل يُقَال كَلَام النَّاس الْمَكْتُوب حَال فِي الْمُصحف أَو حَال فِي قُلُوب
حافظيه وَنَحْو ذَلِك فَمنهمْ طَائِفَة نفت الْحُلُول كَالْقَاضِي أبي يعلى وَأَمْثَاله وَقَالُوا ظهر كَلَام الله فِي ذَلِك وَلَا نقُول حل لِأَن حُلُول صفة الْخَالِق فِي الْمَخْلُوق أَو حُلُول الْقَدِيم فِي الْمُحدث مُمْتَنع
وَطَائِفَة أطلقت القَوْل بِأَن كَلَام الله حَال فِي الْمُصحف كَأبي إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ الْهَرَوِيّ الملقب بشيخ الْإِسْلَام وَغَيره وَقَالُوا لَيْسَ هَذَا هُوَ الْحُلُول الْمَحْذُور الَّذِي نفيناه بل نطلق القَوْل بِأَن الْكَلَام فِي الصَّحِيفَة وَلَا يُقَال بِأَن الله فِي الصَّحِيفَة أَو فِي صدر الْإِنْسَان كَذَلِك نطلق القَوْل بِأَن كَلَامه حَال فِي ذَلِك دون حُلُول ذَاته
وَطَائِفَة ثَالِثَة كَأبي عَليّ بن أبي مُوسَى وَغَيره قَالُوا لَا نطلق الْحُلُول نفيا وَلَا إِثْبَاتًا لِأَن إِثْبَات ذَلِك يُوهم انْتِقَال صفة الرب إِلَى الْمَخْلُوقَات وَنفي ذَلِك يُوهم نفي نزُول الْقُرْآن إِلَى الْخلق فنطلق مَا أطلقته النُّصُوص ونمسك عَمَّا فِي إِطْلَاق مَحْذُور لما فِي ذَلِك من الْإِجْمَال
واما قَول الْقَائِل إِن قُلْتُمْ إِن هَذَا نفس كَلَام الله فقد قُلْتُمْ بالحلول وَإِن قُلْتُمْ غير ذَلِك قُلْتُمْ بمقالتنا فجواب ذَلِك أَن الْمقَالة الْمُنكرَة هُنَا تَتَضَمَّن ثَلَاثَة أُمُور فَإِذا زَالَت لم يبْق مُنْكرا
أَحدهَا من يَقُول إِن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ لم يتَكَلَّم الله بِهِ وَإِنَّمَا أحدثه غير الله كجبريل وَمُحَمّد وَالله خلقه فِي غَيره
الثَّانِي قَول من يَقُول إِن كَلَام الله لَيْسَ إِلَّا معنى وَاحِدًا هُوَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر وَإِن الْكتب الإلهية تخْتَلف باخْتلَاف الْعبارَات لَا باخْتلَاف الْمعَانِي فَيجْعَل معنى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَاحِدًا وَكَذَلِكَ معنى آيَة الدّين وَآيَة الْكُرْسِيّ كمن يَقُول إِن مَعَاني أَسمَاء الله الْحسنى بِمَعْنى وَاحِد فَمَعْنَى الْعَلِيم والقدير والرحيم والحكيم معنى وَاحِد فَهَذَا إلحاد فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وآياته
الثَّالِث قَول من يَقُول إِن مَا بلغته الرُّسُل عَن الله من الْمَعْنى والألفاظ لَيْسَ هُوَ كَلَام الله وَإِن الْقُرْآن كَلَام التالين لَا كَلَام رب الْعَالمين فَهَذِهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة بَاطِلَة بِأَيّ عبارَة عبر عَنْهَا
واما قَول من قَالَ إِن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ كَلَام الله بلغه عَنهُ رَسُول الله ﷺ وَأَنه تَارَة
يسمع من الله وَتارَة من رسله مبلغين عَنهُ وَهُوَ كَلَام الله حَيْثُ تصرف وَكَلَام الله تكلم بِهِ لم يخلقه فِي غَيره وَلَا يكون كَلَام الله مخلوقا وَلَو قَرَأَهُ النَّاس وكتبوه وسمعوه وَقَالَ مَعَ ذَلِك إِن أَفعَال الْعباد وأصواتهم وَسَائِر صفاتهم مخلوقة فَهَذَا لَا يُنكر عَلَيْهِ
وَإِذا نفى الْحُلُول وَأَرَادَ بِهِ أَن صفة الْمَوْصُوف لَا تُفَارِقهُ وتنتقل إِلَى غَيره فقد أصَاب فِي هَذَا الْمَعْنى