×
البلدالآية ١٧

دقائق التفسير — ابن تيمية

ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ ﴿١٧﴾

وَفِي الرَّحْمَة وَالْإِحْسَان إِلَى الْخلق بِالزَّكَاةِ وَغَيرهَا فَإِن الْقِسْمَة أَيْضا ربَاعِية إِذْ من النَّاس من يصبر وَلَا يرحم كَأَهل الْقُوَّة وَالْقَسْوَة وَمِنْهُم من يرحم وَلَا يصبر كَأَهل الضعْف واللين مثل كثير من النِّسَاء وَمن يشبههن وَمِنْهُم من لَا يصبر وَلَا يرحم كَأَهل الْقَسْوَة والهلع والمحمود هُوَ الَّذِي يصبر وَيرْحَم كَمَا قَالَ الْفُقَهَاء فِي الْمُتَوَلِي يَنْبَغِي أَن يكون قَوِيا من غير عنف لينًا من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العَبْد فَإِن النَّصْر مَعَ الصَّبْر وبالرحمة يرحمه الله تَعَالَى كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء وَقَالَ من لَا يرحم لَا يرحم وَقَالَ لَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من شقي وَقَالَ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء وَالله أعلم انْتهى بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم سُورَة الرَّعْد فصل قَالَ تَعَالَى ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا وَمِمَّا يوقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله كَذَلِك يضْرب الله الْحق وَالْبَاطِل فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض كَذَلِك يضْرب الله الْأَمْثَال﴾ شبه مَا ينزل من السَّمَاء على الْقُلُوب من الْإِيمَان الْقُرْآن فيختلط بِالشُّبُهَاتِ والأهواء المغوية بالمطر الَّذِي يحْتَمل سيله الزّبد وبالذهب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد وَنَحْوه إِذا أذيب بالنَّار فَاحْتمل الزّبد فقذفه بَعيدا عَن الْقلب وَجعل ذَلِك الزّبد هُوَ مثل ذَلِك الْبَاطِل الَّذِي لَا مَنْفَعَة فِيهِ وَأما مَا ينفع النَّاس من المَاء والمعادن فَهُوَ مثل الْحق النافع فيستقر وَيبقى فِي الْقلب وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى فصل فِي قَوْله تَعَالَى