×
الأنعامالآية ١

دقائق التفسير — ابن تيمية

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿١﴾

وَمن هَذَا تَسْمِيَة اللَّيْل ظلمَة وَالنَّهَار نورا فَإِنَّهُمَا عرضان وَقد قيل هما جوهران وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع بسط ذَلِك فَتبين أَن اسْم النُّور يتَنَاوَل هذَيْن والمعترض ذكر أَولا حد الْعرض وَذكر ثَانِيًا حد الْجِسْم فتناقض وَكَأَنَّهُ أَخذ ذَلِك من كَلَامي وَلم يهتدوا لوجه الْجمع وَكَذَلِكَ اسْم الْحق يَقع على ذَات الله تَعَالَى وعَلى صِفَاته القدسية الْقَدِيمَة كَقَوْل النَّبِي ﷺ أَنْت الْحق وقولك الْحق وَالْجنَّة حق وَالنَّار حق والنبيون حق وَمُحَمّد حق وَأما قَول الْمُعْتَرض النُّور ضد الظلمَة وَجل الْحق أَن يكون لَهُ ضد فَيُقَال لَهُ لم تفهم معنى الضِّدّ الْمَنْفِيّ عَن الله فَإِن الضِّدّ يُرَاد بِهِ مَا يمْنَع ثُبُوت الآخر كَمَا يُقَال فِي الْأَعْرَاض المتضادة مثل السوَاد وَالْبَيَاض وَيَقُول النَّاس الضدان لَا يَجْتَمِعَانِ وَيمْتَنع اجْتِمَاع الضدين وَهَذَا التضاد عِنْد كثير من النَّاس لَا يكون إِلَّا فِي الْأَعْرَاض وَأما الْأَعْيَان فَلَا تضَاد فِيهَا فَيمْتَنع عِنْد هَذَا أَن يُقَال لله ضد أَو لَيْسَ لَهُ ضد وَمِنْهُم من يَقُول يتَصَوَّر التضاد فِيهَا وَالله تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ضد يمْنَع ثُبُوته ووجوده بِلَا ريب بل هُوَ القاهر الْغَالِب الَّذِي لَا يغلب وَقد يُرَاد بالضد الْمعَارض لأَمره وَحكمه وَإِن لم يكن مَانِعا من وجود ذَاته كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ من حَالَتْ شَفَاعَته دون حد من حُدُود الله فقد ضاد الله فِي أمره رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَتَسْمِيَة الْمُخَالف لأَمره وَحكمه ضدا كتسميته عدوا وَبِهَذَا الِاعْتِبَار فالمعادون المضادون لله كَثِيرُونَ فَأَما على التَّفْسِير الأول فَلَا ريب أَنه لَيْسَ فِي نفس الْأَمر مضادا لله لَكِن المضاد يَقع فِي نفس الْكَافِر فَإِن الْبَاطِل ضد الْحق وَالْكذب ضد الصدْق فَمن اعتند فِي الله مَا هُوَ منزه عَنهُ كَانَ هَذَا ضدا للْإيمَان الصَّحِيح بِهِ وَأما قَوْله النُّور ضد الظلمَة وَجل الْحق أَن يكون لَهُ ضد فَيُقَال لَهُ والحي ضد الْمَيِّت والعليم ضد الْجَاهِل والسميع والبصير وَالَّذِي يتَكَلَّم ضد الْأَصَم لأعمى الأبكم وَهَكَذَا سَائِر مَا سمى الله بِهِ من الْأَسْمَاء لَهَا أضداد وَهُوَ منزه عَن أَن يُسمى بأضدادها فجل الله أَن يكون مَيتا أَو عَاجِزا أَو فَقِيرا وَنَحْو ذَلِك وَأما وجود مَخْلُوق لَهُ مَوْصُوف بضد صفته مثل وجود الْمَيِّت وَالْجَاهِل وَالْفَقِير والظالم فَهَذَا كثير بل غَالب أَسْمَائِهِ لَهَا أضداد مَوْجُودَة فِي الْمَوْجُودين وَلَا يُقَال لأولئك إِنَّهُم أضداد الله وَلَكِن يُقَال إِنَّهُم موصوفون بضد صِفَات الله فَإِن التضاد بَين إِنَّمَا يكن فِي الْمحل الْوَاحِد لَا فِي محلين فَمن كَانَ مَوْصُوفا بِالْمَوْتِ ضادته الْحَيَاة وَمن كَانَ مَوْصُوفا بِالْحَيَاةِ ضاده الْمَوْت وَالله سُبْحَانَهُ يمْتَنع أَن يكون ظلمَة أَو مَوْصُوفا بالظلمة كَمَا يمْتَنع أَن يكون مَيتا أَو مَوْصُوفا بِالْمَوْتِ فَهَذَا الْمُعْتَرض أَخذ لفظ الضِّدّ بالاشتراك وَلم يُمَيّز بَين الضِّدّ الَّذِي يضاد ثُبُوته ثُبُوت الْحق وَصِفَاته وأفعاله وَبَين أَن يكون فِي مخلوقاته مَا هُوَ مَوْصُوف بضد صِفَاته وَبَين مَا يضاده فِي أمره وَنَهْيه فالضد الأول هُوَ الْمُمْتَنع وَأما الْآخرَانِ فوجودهما كثير لَكِن لايقال إِنَّه ضد الله فَإِن المتصف بضد صِفَاته لم يضاده وَالَّذين قَالُوا النُّور ضد الظلمَة قَالُوا يمْتَنع اجْتِمَاعهمَا فِي عين وَاحِدَة وَلم يَقُولُوا أَنه يمْتَنع أَن يكون شَيْء مَوْصُوف بِأَنَّهُ نور وَشَيْء آخر مَوْصُوف بِأَنَّهُ ظلمَة فليتدبر الْعَاقِل هَذَا التعطيل والتخطيط وَأما قَوْله لَو كَانَ نورا لم يجز إِضَافَته إِلَى نَفسه فِي قَوْله ﴿مثل نوره﴾ فَالْكَلَام عَلَيْهِ من طَرِيقين أَحدهمَا أَن نقُول النَّص فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله قد سمى الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَقد أخبر النَّص أَن الله نور وَأخْبر أَيْضا أَنه يحتجب بِالنورِ فَهَذِهِ ثَلَاثَة أنوار فِي النَّص وَقد تقدم ذكر الأول وَأما الثَّانِي قَوْله