×
قالآية ٣٨

دقائق التفسير — ابن تيمية

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍۢ ﴿٣٨﴾

سُورَة ق ٣٨ وَنَحْو ذَلِك من القضايا السلبية الَّتِي يصف الرب تَعَالَى بهَا نَفسه وَأَنَّهَا تَتَضَمَّن اتصافه بِصِفَات الْكَمَال الثبوتية مثل كَمَال حَيَاته وقيوميته وَملكه وَقدرته وَعلمه وهدايته وانفراده بالربوبية والإلهية وَنَحْو ذَلِك وكل مَا يُوصف بِهِ الْعَدَم الْمَحْض فَلَا يكون إِلَّا عدما مَحْضا وَمَعْلُوم أَن الْعَدَم الْمَحْض يُقَال فِيهِ أَنه لَا يرى فَعلم أَن نفي الرُّؤْيَة عدم مَحْض وَلَا يُقَال فِي الْعَدَم الْمَحْض لَا يدْرك وَإِنَّمَا يُقَال هَذَا فِيمَا لَا يدْرك لعظمته لَا لعدمه وَإِذا كَانَ الْمَنْفِيّ هُوَ الْإِدْرَاك فَهُوَ ﷾ لَا يحاط بِهِ رُؤْيَة كَمَا لَا يحاط بِهِ علما وَلَا يلْزم من نفي إحاطة الْعلم والرؤية نفي الْعلم والرؤية بل يكون ذَلِك دَلِيلا على أَنه يرى وَلَا يحاط بِهِ كَمَا يعلم وَلَا يحاط بِهِ فَإِن تَخْصِيص الْإِحَاطَة بِالنَّفْيِ يَقْتَضِي أَن مدرك الرُّؤْيَة لَيْسَ بمنفي وَهَذَا الْجَواب قَول أَكثر الْعلمَاء من السّلف وَغَيرهم وَقد رُوِيَ مَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَغَيره وَقد رُوِيَ فِي ذَلِك حَدِيث مَرْفُوع إِلَى النَّبِي ﷺ وَلَا تحْتَاج الْآيَة إِلَى تَخْصِيص وَلَا خُرُوج عَن ظَاهر الْآيَة فَلَا نحتاج أَن نقُول لَا نرَاهُ فِي الدُّنْيَا أَو نقُول لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار بل المبصرون أَو لَا تُدْرِكهُ كلهَا بل بَعْضهَا وَنَحْو ذَلِك من الْأَقْوَال الَّتِي فِيهَا تكلّف ثمَّ نَحن فِي هَذَا الْمقَام يكفينا أَن نقُول الْآيَة تحْتَمل ذَلِك فَلَا يكون فِيهَا دلَالَة على نفي الرُّؤْيَة فَبَطل اسْتِدْلَال من اسْتدلَّ بهَا على الرُّؤْيَة وَإِذا أردنَا أَن نثبت دلَالَة الْآيَة على الرُّؤْيَة مَعَ نَفيهَا للإدراك الَّذِي هُوَ الْإِحَاطَة أَقَمْنَا الدّلَالَة على أَن الْإِدْرَاك فِي اللُّغَة لَيْسَ هُوَ مرادفا للرؤية بل هُوَ أخص مِنْهَا وأثبتنا ذَلِك باللغة لَيْسَ هُوَ مرادفا للرؤية بل هُوَ أخص مِنْهَا وأثبتنا ذَلِك باللغة وأقوال الْمُفَسّرين من السّلف وبأدلة أُخْرَى سمعية وعقلية فصل فِي ذَبَائِح أهل الْكتاب قَالَ شيخ الْإِسْلَام قَالَ الله ﷿ يتَضَمَّن كَمَال قدرته وَنَحْو ذَلِك فالتسبيح المتضمن تنزيهه عَن السوء وَنفي النَّقْض عَنهُ يتَضَمَّن تَعْظِيمه فَفِي قَوْله ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تبرئته من الظُّلم وَإِثْبَات العظمة الْمُوجبَة لَهُ بَرَاءَته من الظُّلم فَإِن الظَّالِم إِنَّمَا يظلم لِحَاجَتِهِ إِلَى الظُّلم أَو لجهله وَالله غَنِي عَن كل شَيْء عليم بِكُل شَيْء وَهُوَ غَنِي بِنَفسِهِ وكل مَا سواهُ فَقير إِلَيْهِ وَهَذَا كَمَال العظمة وَأَيْضًا فَفِي هَذَا الدُّعَاء للتهليل وَالتَّسْبِيح فَقَوله ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنْت﴾ تهليل وَقَوله ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تَسْبِيح وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أفضل الْكَلَام بعد الْقُرْآن أَربع وَهن من الْقُرْآن سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر والتحميد مقرون بالتسبيح وتابع لَهُ وَالتَّكْبِير مقرون بالتهليل وتابع لَهُ وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه سُئِلَ أَي الْكَلَام أفضل قَالَ مَا اصْطفى الله لملائكته سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كلمتان خفيفتان على اللِّسَان ثقيلتان فِي الْمِيزَان حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم وَفِي الْقُرْآن ﴿فسبح بِحَمْد رَبك﴾ وَقَالَت الْمَلَائِكَة ﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾ وَهَاتَانِ الكلمتان إِحْدَاهمَا مقرونة بالتحميد وَالْأُخْرَى بالتعظيم فَإنَّا قد ذكرنَا أَن التَّسْبِيح فِيهِ نفي السوء والنقائص المتضمن إِثْبَات المحاسن والكمال وَالْحَمْد إِنَّمَا يكون على المحاسن وَقرن بَين الْحَمد والتعظيم كَمَا قرن بَين الْجلَال وَالْإِكْرَام إِذْ لَيْسَ كل مُعظم محبوبا مَحْمُودًا وَلَا كل مَحْبُوب مَحْمُودًا مُعظما وَقد تقدم أَن الْعِبَادَة تَتَضَمَّن كَمَال الْحبّ المتضمن معنى الْحَمد وتتضمن كَمَال الذل المتضمن معنى التَّعْظِيم فَفِي الْعِبَادَة حبه وحمده على المحاسن وفيهَا الذل لَهُ الناشىء عَن عَظمته وكبريائه فَفِي إجلاله وإكرامه وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُسْتَحق للجلال وَالْإِكْرَام فَهُوَ مُسْتَحقّ غَايَة الإجلال وَغَايَة الْإِكْرَام وَمن النَّاس من يحْسب أَن الْجلَال هُوَ الصِّفَات السلبية وَالْإِكْرَام الصِّفَات الثبوتية كَمَا ذكر ذَلِك الرَّازِيّ وَنَحْوه وَالتَّحْقِيق أَن كليهمَا صِفَات ثبوتية وَإِثْبَات الْكَمَال يسْتَلْزم نفي النقائص لَكِن ذكر نَوْعي الثُّبُوت وَهُوَ مَا يسْتَحق أَن يعظم كَقَوْلِه ﴿إِن الله هُوَ الْغَنِيّ الحميد﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله