دقائق التفسير — ابن تيمية
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ ﴿١٣﴾
وَقَالَ النَّبِي ﷺ
لَا فضل لعربي على عجمي وَلَا لعجمي على عَرَبِيّ وَلَا لأسود على
أَبيض وَلَا لأبيض على أسود إِلَّا بالتقوى النَّاس من آدم وآدَم من تُرَاب وَلِهَذَا لَيْسَ فِي كتاب الله آيَة وَاحِدَة يمدح فِيهَا أحدا بنسبه وَلَا يذم أحدا بنسبه وَإِنَّمَا يمدح الْإِيمَان وَالتَّقوى ويذم الْكفْر والفسوق والعصيان
وَقد ثَبت أَنه ﷺ فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ
أَربع من أَمر الْجَاهِلِيَّة فِي أمتِي لن يدعوهن الْفَخر بِالْأَحْسَابِ والطعن فِي الْأَنْسَاب والنياحة وَالِاسْتِسْقَاء بالنجوم فَجعل الْفَخر بِالْأَحْسَابِ من أمول الْجَاهِلِيَّة فَإِذا كَانَ الْمُسلم لَا فَخر لَهُ على الْمُسلم بِكَوْن أجداده لَهُم حسب شرِيف فَكيف يكون لكَافِر من أهل الْكتاب فَخر على كَافِر من أهل الْكتاب بِكَوْن أجداده كَانُوا مُؤمنين وَإِذا لم تكن مَعَ التَّمَاثُل فِي الدّين فَضِيلَة لأجل النّسَب علم أَنه لأَفْضَل لمن كَانَ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى آباؤه مُؤمنين مُتَمَسِّكِينَ بِالْكتاب الأول قبل النّسخ والتبديل على من كَانَ أَبوهُ دَاخِلا فِيهِ بعد النّسخ والتبديل وَإِذا تماثل دينهما تماثل حكمهمَا فِي الدّين والشريعة إِنَّمَا علقت بِالنّسَبِ أحكاما مثل كَون الْخلَافَة من قُرَيْش وَكَون ذَوي الْقُرْبَى لَهُم الْخمس وَتَحْرِيم الصَّدَقَة على آل مُحَمَّد ﷺ وَنَحْو ذَلِك لِأَن النّسَب الْفَاضِل مَظَنَّة أَن يكون أَهله أفضل من غَيرهم كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ
النَّاس معادن كمعادن الذَّهَب وَالْفِضَّة خيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة خيارهم فِي الْإِسْلَام إِذا فقهوا والمظنة تعلق الحكم بِمَا إِذا خفيت الْحَقِيقَة أَو انتشرت فَأَما إِذا ظهر دين الرجل الَّذِي بِهِ تتَعَلَّق الْأَحْكَام وَعرف نوع دينه وَقدره لم يتَعَلَّق بنسبه الْأَحْكَام الدِّينِيَّة وَلِهَذَا لم يكن لأبي لَهب مزية على غَيره لما عرف كفره كَانَ أَحَق بالذم من غَيره وَلِهَذَا جعل لمن يَأْتِي بِفَاحِشَة من أَزوَاج النَّبِي ﷺ ضعفين من الْعَذَاب كَمَا جعل لمن يقنت مِنْهُنَّ لله وَرَسُوله أَجْرَيْنِ من الثَّوَاب
فذووا الْأَنْسَاب الفاضلة إِذا أساؤوا كَانَ إساءتهم أغْلظ من إساءة غَيرهم وعقوبتهم أَشد عُقُوبَة من غَيرهم فَكفر من كفر من بني إِسْرَائِيل إِن لم يكن أَشد من كفر غَيرهم وعقوبتهم أَشد عُقُوبَة من غَيرهم فَلَا أقل من الْمُسَاوَاة بَينهم وَلِهَذَا لم يقل أحد من الْعلمَاء أَن من كفر وَفسق من قُرَيْش وَالْعرب تخفف عَنهُ الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَة بل إِمَّا أَن تكون عقوبتهم أَشد عُقُوبَة من غَيرهم فِي أشهر الْقَوْلَيْنِ أَو تكون عقوبتهم أغْلظ فِي القَوْل الآخر لِأَن من أكْرمه بنعمته وَرفع قدره إِذا قَابل حُقُوقه بِالْمَعَاصِي وقابل نعمه بالْكفْر كَانَ أَحَق بالعقوبة مِمَّن لم ينعم عَلَيْهِ كَمَا أنعم عَلَيْهِ
الْوَجْه السَّابِع أَن يُقَال أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لما فتحُوا الشَّام وَالْعراق ومصر وخراسان وَغَيرهم كَانُوا يَأْكُلُون ذَبَائِحهم لَا يميزون بَين طَائِفَة وَطَائِفَة وَلم يعرف عَن أحد من الصَّحَابَة الْفرق بَينهم بالأنساب وَإِنَّمَا تنازعوا فِي بني تغلب خَاصَّة لأمر يخْتَص بهم كَمَا أَن عمر ضعف عَلَيْهِم الزَّكَاة وَجعل جزيتهم مُخَالفَة لجزية غَيرهم وَلم يلْحق بهم سَائِر الْعَرَب وَإِنَّمَا ألحق بهم من كَانَ بمنزلتهم
الْوَجْه الثَّامِن أَن يُقَال هَذَا القَوْل مُسْتَلْزم أَن لَا يحل لنا طَعَام جُمْهُور من أهل الْكتاب لأَنا لَا نَعْرِف نسب كثير مِنْهُم وَلَا نعلم قبل أَيَّام الْإِسْلَام أَن أجداده كَانُوا يهودا أَو نَصَارَى قبل النّسخ والتبديل وَمن الْمَعْلُوم أَن حل ذَبَائِحهم وَنِسَائِهِمْ ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فَإِذا كَانَ هَذَا القَوْل مستلزما رفع مَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع علم أَنه بَاطِل
الْوَجْه التَّاسِع أَن يُقَال مَا زَالَ الْمُسلمُونَ فِي كل عصر ومصر يَأْكُلُون ذَبَائِحهم فَمن أنكر ذَلِك فقد خَالف إِجْمَاع الْمُسلمين وَهَذِه الْوُجُوه كلهَا لبَيَان رُجْحَان القَوْل بالتحليل وَأَنه مُقْتَضى الدَّلِيل فَأَما أَن مثل هَذِه الْمَسْأَلَة أَو نَحْوهَا من مسَائِل الِاجْتِهَاد يجوز لمن تمسك فِيهَا بِأحد الْقَوْلَيْنِ أَن يُنكر على الآخر بِغَيْر حجَّة وَدَلِيل فَهَذَا خلاف إِجْمَاع الْمُسلمين فقد تنَازع الْمُسلمُونَ فِي جبن الْمَجُوس وَالْمُشْرِكين وَلَيْسَ لمن رجح أحد الْقَوْلَيْنِ أَن يُنكر على صَاحب القَوْل الآخر إلابحجة شَرْعِيَّة
وَكَذَلِكَ تنازعوا فِي مَتْرُوك التَّسْمِيَة وَفِي ذَبَائِح أهل الْكتاب إِذا سموا عَلَيْهَا غير الله وَفِي شَحم الثرب والكليتين وذبحهم لذوات الظفر كَالْإِبِلِ والبط وَنَحْو ذَلِك مِمَّا حرمه الله عَلَيْهِم وَتَنَازَعُوا فِي ذبح الْكِتَابِيّ للضحايا وَنَحْو ذَلِك من الْمسَائِل وَقد قَالَ بِكُل قَول طَائِفَة من أهل الْعلم الْمَشْهُورين فَمن صَار إِلَى قَول مقلد لقائله لم يكن لَهُ أَن يُنكر على من صَار إِلَى القَوْل الآخر مُقَلدًا لقائله لَكِن إِن كَانَ مَعَ أَحدهمَا حجَّة شَرْعِيَّة وَجب الانقياد للحجج الشَّرْعِيَّة إِذا ظَهرت
وَلَا يجوز لأحد أَن يرجح قولا على قَول بِغَيْر دَلِيل وَلَا يتعصب لقَوْل على قَول وَلَا لقَائِل على قَائِل بِغَيْر حجَّة بل من كَانَ مُقَلدًا لزم حل التَّقْلِيد فَلم يرجح وَلم يزيف وَلم يصوب وَلم يخطىء وَمن كَانَ عِنْده من الْعلم وَالْبَيَان مَا يَقُوله سمع ذَلِك مِنْهُ فَقبل مَا تبين أَنه حق ورد مَا تبين أَنه بَاطِل ووقف مَا لم يتَبَيَّن فِيهِ أحد الْأَمريْنِ وَالله تَعَالَى قد فاوت بَين النَّاس فِي قوى الأذهان كَمَا فاوت بَينهم فِي قوى الْأَبدَان
وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَنَحْوهَا فِيهَا من أغوار الْفِقْه وحقائقه مَا لَا يعرفهُ إِلَّا من عرف أقاويل الْعلمَاء ومآخذهم فَأَما من لم يعرف إِلَّا قَول عَالم وَاحِد وحجته دون قَول الْعَالم الآخر وحجته فَإِنَّهُ من الْعَوام المقلدين لَا من الْعلمَاء الَّذين يرجحون ويزيفون وَالله تَعَالَى يهدينا وإخواننا لما
يُحِبهُ ويرضاه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَالله أعلم
فصل
قَوْله تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾
فِيهِ قراءتان مشهورتان النصب والخفض
فَمن قَرَأَ بِالنّصب فَإِنَّهُ مَعْطُوف على الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَالْمعْنَى فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ وامسحوا برؤوسكم
وَمن قَرَأَ بالخفض فَلَيْسَ مَعْنَاهُ وامسحوا أَرْجُلكُم كَمَا يَظُنّهُ بعض النَّاس لأوجه
أَحدهَا أَن الَّذين قرؤوا ذَلِك من السّلف قَالُوا عَاد الْأَمر إِلَى الْغسْل
الثَّانِي أَنه لَو كَانَ عطفا على الرؤوس لَكَانَ الْمَأْمُور بِهِ مسح الأرجل لَا الْمسْح بهَا وَالله إِنَّمَا أَمر فِي الْوضُوء وَالتَّيَمُّم بِالْمَسْحِ بالعضو لَا مسح الْعُضْو فَقَالَ تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وَقَالَ