دقائق التفسير — ابن تيمية
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌۭ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًۭا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿١٢﴾
وَقَالَ النَّبِي ﷺ
إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَإِذا كَانَ فِي الْكَلَام إِخْبَار عَن الْغَيْر بِأَنَّهُ يَقُول أقوالا بَاطِلَة فِي الْعقل وَالشَّرْع وَفِيه رد تِلْكَ الْأَقْوَال كَانَ هَذَا كذبا وظلما فنعوذ بِاللَّه من ذَلِك ثمَّ مَعَ كَونه ظلما لنا يَا ليته كَانَ كلَاما صَحِيحا مُسْتَقِيمًا فَكُنَّا نحلله من حَقنا وَيُسْتَفَاد مَا فِيهِ من الْعلم وَلَكِن فِيهِ من تَحْرِيف كتاب الله والإلحاد فِي آيَاته وأسمائه وَالْكذب وَالظُّلم والعدوان الَّذِي يتَعَلَّق بِحُقُوق الله مِمَّا فِيهِ لَكِن عَفَوْنَا عَن حَقنا فَحق الله إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيره
وَنحن نذْكر من الْقيام بِحَق الله وَنصر كِتَابه وَدينه مَا يَلِيق بِهَذَا الْموضع فَإِن هَذَا الْكَلَام الَّذِي ذكره فِيهِ من التَّنَاقُض وَالْفساد مَا لَا أَظن تمكنه من ضَبطه من وُجُوه
أَحدهَا أَنه قَالَ فِي أَوله النُّور كَيْفيَّة قَائِمَة بالجسمية ثمَّ قَالَ فِي آخِره جسم لطيف شفاف فَذكر فِي أول الْكَلَام أَنه عرض وَصفَة فِي آخِره جسم وَهُوَ جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ
الثَّانِي أَنه ذكر عَن الْمُفَسّرين أَنهم تأولوا ذَلِك بالهادي وَضعف ذَلِك ثمَّ ذكر فِي آخِره أَن من كَلَام العارفين أَن النُّور هُوَ الَّذِي نور قُلُوب الصَّادِقين بتوحيده وأسرار المحبين بتأييده وَأَحْيَا قُلُوب العارفين بِنور مَعْرفَته وَهَذَا هُوَ معنى الْهَادِي الَّذِي ضعفه أَولا فيضعفه أَولا ويجعله من كَلَام العارفين وَهِي كلمة لَهَا صولة فِي الْقُلُوب وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام بعض الْمَشَايِخ الَّذين يَتَكَلَّمُونَ بِنَوْع من الْوَعْظ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَحْقِيق فَإِن الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن ذكر فِي تَحْقِيق التَّفْسِير من الإشارات الَّتِي بَعْضهَا كَلَام حسن مُسْتَفَاد وَبَعضهَا مَكْذُوب على قَائِله مفترى كالمنقول عَن جَعْفَر وَغَيره وَبَعضهَا من الْمَنْقُول الْبَاطِل الْمَرْدُود فَإِن إشارات الْمَشَايِخ وَهِي إشارتهم بالقلوب وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي امتازوا بِهِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وينقسم إِلَى الإشارات الْمُتَعَلّقَة بالأقوال مثل مَا يأخذونها من الْقُرْآن وَنَحْوه فَتلك الإشارات هِيَ من بَاب الِاعْتِبَار وَالْقِيَاس وإلحاق مَا لَيْسَ بمنصوص بالمنصوص مثل الِاعْتِبَار وَالْقِيَاس الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ الْفُقَهَاء فِي الْأَحْكَام لَكِن هَذَا يسْتَعْمل فِي التَّرْغِيب والترهيب وفضائل الْأَعْمَال ودرجات الرِّجَال وَنَحْو ذَلِك فَإِن كَانَت الْإِشَارَة اعتبارية من جنس الْقيَاس الصَّحِيح كَانَت حَسَنَة مَقْبُولَة وَإِن كَانَت كالقياس الضَّعِيف كَانَ لَهَا حكمه وَإِن كَانَ تحريفا للْكَلَام على غير تَأْوِيله كَانَت من جنس كَلَام القرامطة والباطنية والجهمية فَتدبر هَذَا فَإِنِّي قد أوضحت هَذَا فِي قَاعِدَة الإشارات
الْوَجْه الثَّالِث فِي تناقضه فَإِن قَالَ التَّأْوِيل مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم وَلم يذكر
إِلَّا ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَقد ضعف ذَلِك فَإِن كَانَ الْمَنْقُول هُوَ هَذَا الضَّعِيف فيا خيبة الْمَسْعَى إِذْ لم ينْقل عَن السّلف فِي جَمِيع كَلَامه إِلَى هُنَا شَيْئا عَن السّلف إِلَّا هَذَا الَّذِي ضعفه وأوهاه وَإِن كَانَ الْمَنْقُول عَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أَنه منور السَّمَاوَات بالكواكب كَانَ متناقضا من وَجه آخر وَهُوَ أَنه قد ذكر فِيمَا بعد أَن هَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى وَأبي الْعَالِيَة وَالْحسن أَنه منورها بالشمس وَالْقَمَر والنجوم وَهَذَا يُوجب أَن يكون الْمَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس والاثنين أَولا غير الْمَنْقُول عَنهُ فِي رِوَايَة أُخْرَى وَعَمن لَيْسَ مَعَه فِي الأولى وَإِن كَانَ نوره بالحجج الباهرة والأدلة كَانَ متناقضا فَإِن هَذَا هُوَ معنى الْهَادِي إِذا نَصبه للأدلة والحجج هِيَ من هدايته وَهُوَ قد ضعف هَذَا القَوْل فَمَا أَدْرِي من أَيهمَا الْعجب أم من حكايته الْقَوْلَيْنِ اللَّذين أَحدهمَا دَاخل فِي معنى الآخر أم من تَضْعِيفه لقَوْل السَّائِل الَّذِي يُوجب تَضْعِيف الِاثْنَيْنِ وَهُوَ لَا يدْرِي أَنه قد ضعفهما جَمِيعًا
فَيجب على الْإِنْسَان أَن يعرف معنى الْأَقْوَال المنقولة وَيعرف أَن الَّذِي يُضعفهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي عظمه
الْوَجْه الرَّابِع أَنه قد تبين أَنه لم ينْقل عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم إِلَّا القَوْل الَّذِي ضعفه أَو مَا يدْخل فِيهِ فَإِنَّهُ إِن كَانَ قَوْلهم الْهَادِي فقد صرح بضعفه وَإِن كَانَ مُقيم الْأَدِلَّة فَهُوَ من معنى الْهَادِي وَإِن كَانَ الْمنور بالكواكب فقد جعله قولا آخر وَإِن كَانَ مَا ذكره عَن بعض العارفين فَهُوَ أَيْضا دَاخل فِي الْهَادِي وَإِذا كَانَ قد اعْترف بِضعْف مَا حَكَاهُ عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم لم يكن فِيهِ حجَّة علينا
فَتبين أَن مَا ذكره عَن السّلف إِمَّا أَن يكون مُبْطلًا فِي نَقله أَو مفتريا بتضعيفه وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا حجَّة علينا بذلك
الْوَجْه الْخَامِس أَنه أَسَاءَ الْأَدَب على السّلف إِذْ يذكر عَنْهُم مَا يُضعفهُ وَأظْهر للنَّاس أَن السّلف كَانُوا يتأولون ليحتج بذلك على التَّأْوِيل فِي الْجُمْلَة وَهُوَ قد اعْترف بِضعْف هَذَا التَّأْوِيل وَمن احْتج بِحجَّة وَقد ضعفها وَهُوَ لَا يعلم أَنه ضعفها فقد رمى نَفسه بسهمه وَمن رمى بِسَهْم الْبَغي صرع بِهِ وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين
الْوَجْه السَّادِس قَوْله هَذَا يبطل دَعْوَاهُ أَن التَّأْوِيل دفع الظَّاهِر وَلم ينْقل عَن السّلف فَإِن هَذَا القَوْل لم أَقَله وَإِن كنت قلته فَهُوَ لم ينْقل إِلَّا مَا عرف أَنه ضَعِيف والضعيف لَا يبطل شَيْئا فَهَذِهِ الْوُجُوه فِي بَيَان تناقضه وحكايته عَنَّا مَا لم نَقله
وَأما بَيَان فَسَاد الْكَلَام فَنَقُول أما قَوْله يجب تَأْوِيله قطعا فَلَا نسلم أَنه يجب تَأْوِيله وَلَا نسلم أَن ذَلِك لَو وَجب قَطْعِيّ بل جَمَاهِير الْمُسلمين لَا يتأولون هَذَا الِاسْم وَهَذَا مَذْهَب
السلفية وَجُمْهُور الصفاتية من أهل الْكَلَام وَالْفُقَهَاء والصوفية وَغَيرهم وَهُوَ قَول أبي سعيد بن كلاب ذكره فِي الصِّفَات ورد على الجمهية تَأْوِيل اسْم النُّور وَهُوَ شيخ الْمُتَكَلِّمين الصفاتية الأشعرية الشَّيْخ الأول وَحَكَاهُ عَنهُ أَبُو بكر ابْن فورك فِي كتاب مقالات ابْن كلاب والأشعرية وَلم يذكرَا تَأْوِيله إِلَّا عَن الْجَهْمِية المذمومين بِاتِّفَاق وَهُوَ أَيْضا قَول أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ذكره فِي الموجز
وَأما قَوْله إِن هَذَا ورد فِي الْأَسْمَاء الْحسنى فَالْحَدِيث الَّذِي ذكر فِيهِ ذَلِك هُوَ حَدِيث التِّرْمِذِيّ روى الْأَسْمَاء الْحسنى فِي جَامعه من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَرَوَاهَا ابْن مَاجَه فِي سنَنه من طَرِيق مخلد بن زِيَاد الْقَطوَانِي عَن هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة وَقد اتّفق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ على أَن هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ ليستا من كَلَام النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا كل مِنْهُمَا من كَلَام بعض السّلف فالوليد ذكرهَا عَن بعض شُيُوخ