×
الذارياتالآية ٥٦

دقائق التفسير — ابن تيمية

وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾

فَقَالَ ﵀ قَالَ السَّائِل قَوْله تَعَالَى إِن كَانَت هَذِه اللَّام للصيرورة فِي عَاقِبَة الْأَمر فَمَا صَار ذَلِك وَإِن كَانَت اللَّام للغرض لزم أَن لَا يتَخَلَّف أحد من المخلوقين عَن عِبَادَته وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَمَا التَّخَلُّص من هَذَا الْمضيق فَيُقَال هَذِه اللَّام لَيست هِيَ اللَّام الَّتِي يسميها النُّحَاة لَام الْعَاقِبَة والصيرورة وَلم يقل ذَلِك أحد هُنَا كَمَا ذكره السَّائِل من أَن ذَلِك لم يصر إِلَى على قَول من يُفَسر يعْبدُونَ بِمَعْنى يعْرفُونَ يَعْنِي الْمعرفَة الَّتِي أَمر بهَا الْمُؤمن وَالْكَافِر لَكِن هَذَا قَول ضَعِيف وَإِنَّمَا زعم بعض النَّاس ذَلِك فِي قَوْله ﴿وَلذَلِك خلقهمْ﴾ الَّتِي فِي آخر سُورَة هود فَإِن بعض الْقَدَرِيَّة زعم أَن تِلْكَ اللَّام لَام الْعَاقِبَة والصيرورة أَي صَارَت عاقبتهم إِلَى الرَّحْمَة وَإِلَى الِاخْتِلَاف وَإِن لم يقْصد ذَلِك الْخَالِق وَجعلُوا ذَلِك كَقَوْلِه ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا﴾ وَقَول الشَّاعِر ... لدوا للْمَوْت وَابْنُوا للخراب ... وَهَذَا أَيْضا ضَعِيف هُنَا لِأَن لَام الْعَاقِبَة إِنَّمَا تَجِيء فِي حق من لَا يكون عَالما بعواقب الْأُمُور ومصايرها فيفعل الْفِعْل الَّذِي لَهُ عَاقِبَة لَا يعلمهَا كآل فِرْعَوْن فَأَما من يكون عَالما بعواقب الْأَفْعَال ومصايرها فَلَا يتَصَوَّر مِنْهُ أَن يفعل فعلا لَهُ عَاقِبَة لَا يعلم عاقبته وَإِذا علم أَن فعله لَهُ عَاقِبَة فَلَا يقْصد بِفِعْلِهِ مَا يعلم أَنه لَا يكون فَإِن ذَلِك تمن وَلَيْسَ بِإِرَادَة وَأما اللَّام فَهِيَ اللَّام الْمَعْرُوفَة وَهِي لَام كي وَلَام التَّعْلِيل الَّتِي إِذا حذفت انتصب الْمصدر الْمَجْرُور بهَا على الْمَفْعُول لَهُ وَتسَمى الْعلَّة الغائية وَهِي مُتَقَدّمَة فِي الْعلم والإرادة مُتَأَخِّرَة فِي الْوُجُود والحصول وَهَذِه الْعلَّة هِيَ المُرَاد الْمَطْلُوب الْمَقْصُود من الْفِعْل لَكِن يَنْبَغِي أَن يعرف أَن الْإِرَادَة فِي كتاب الله على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا الْإِرَادَة الكونية وَهِي الْإِرَادَة المستلزمة لوُقُوع المُرَاد الَّتِي يُقَال فِيهَا مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَهَذِه الْإِرَادَة فِي مثل قَوْله هَذِه الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة وَهَذِه قد يَقع مرادها وَقد لَا يَقع فَهُوَ الْعَمَل الَّذِي خلق الْعباد لَهُ أَي هُوَ الَّذِي يحصل كمالهم وصلاحهم الَّذِي بِهِ يكونُونَ مرضيين محبوبين فَمن لم تحصل مِنْهُ هَذِه الْغَايَة كَانَ عادما لما يحب ويرضى وَيُرَاد لَهُ الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الَّتِي فِيهَا سعادته ونجاته وعادما لكماله وصلاحه الْعَدَم المستلزم فَسَاده وعذابه وَقَول من قَالَ الْعِبَادَة هِيَ الْعَزِيمَة أَو الفطرية فَقَوْلَانِ ضعيفان فاسدان يظْهر فسادهما من وُجُوه مُتعَدِّدَة وَالله أعلم تمّ الْجُزْء الرَّابِع وَبِه تمّ الْكتاب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين واللهم اجْعَلْهُ لنا لَا علينا وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَأَصْحَابه وَسلم آمين سُورَة الانسان بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين (فصل) عرض مُجمل للسورة اعْلَم أَن سُورَة