دقائق التفسير — ابن تيمية
إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٣٣﴾
تقطع الْيَد الَّتِي يبطش بهَا وَالرجل الَّتِي يمشي عَلَيْهَا وتحسم يَده وَرجله بالزيت المغلي وَنَحْوه لينحسم الدَّم فَلَا يخرج فيفضي إِلَى تلفه وَكَذَلِكَ تحسم يَد السَّارِق بالزيت وَهَذَا الْفِعْل قد يكون أزْجر من الْقَتْل فَإِن الْأَعْرَاب وفسقة الْجند وَغَيرهم إِذا رَأَوْا دَائِما من هُوَ بَينهم مَقْطُوع الْيَد وَالرجل ذكرُوا بذلك جرمه فَارْتَدَعُوا بِخِلَاف الْقَتْل فَإِنَّهُ قد ينسى وَقد يُؤثر بعض النُّفُوس الأبية قَتله على قطع يَده وَرجله من خلاف فَيكون هَذَا أَشد تنكيلا لَهُ ولأمثاله
وَأما إِذا شهروا السِّلَاح وَلم يقتلُوا نفسا وَلم يَأْخُذُوا مَالا ثمَّ اغمدوه أَو هربوا أَو تركُوا الحراب فَإِنَّهُم ينفون فَقيل نفيهم تشريدهم فَلَا يتركون يأوون فِي بلد وَقيل هُوَ حَبسهم وَقيل هُوَ مَا يرَاهُ الإِمَام أصلح من نفي أَو حبس أَو نَحْو ذَلِك
وَالْقَتْل الْمَشْرُوع هُوَ ضرب الرَّقَبَة بِالسَّيْفِ وَنَحْوه لِأَن ذَلِك أوحى أَنْوَاع الْقَتْل
وَكَذَلِكَ شرع الله قتل مَا يُبَاح قَتله من الْآدَمِيّين والبهائم إِذا قدر عَلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه وَقَالَ النَّبِي ﷺ
إِن الله كتب الْإِحْسَان على كل شَيْء فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة وليحد أحدكُم شفرته وليرح ذَبِيحَته وَقَالَ
إِن أعف النَّاس قتلة أهل الْإِيمَان
وَأما الصلب الْمَذْكُور فَهُوَ رفعهم على مَكَان عَال ليراهم النَّاس ويشتهر أَمرهم وَهُوَ بعد الْقَتْل عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء وَمِنْهُم من قَالَ يصلبون ثمَّ يقتلُون وهم مصلبون وَقد جوز بعض الْعلمَاء قَتلهمْ بِغَيْر السَّيْف حَتَّى قَالَ يتركون على الْمَكَان العالي حَتَّى يموتوا حتف أنوفهم بِلَا قتل
فَأَما التَّمْثِيل فِي الْقَتْل فَلَا يجوز إِلَّا على وَجه الْقصاص وَقد قَالَ عمرَان بن حُصَيْن ﵄ مَا خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ خطْبَة إِلَّا أمرنَا بِالصَّدَقَةِ ونهانها عَن الْمثلَة حَتَّى الْكفَّار إِذا قتلناهم فَإنَّا لَا نمثل بهم بعد الْقَتْل وَلَا نجدع آذانهم وأنوفهم وَلَا نبقر بطونهم إِلَّا أَن يَكُونُوا فعلوا ذَلِك بِنَا فنفعل بهم مَا فعلوا وَالتّرْك أفضل كَمَا قَالَ الله تَعَالَى