×
المائدةالآية ١٧

دقائق التفسير — ابن تيمية

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿١٧﴾

الْوَجْه الثَّانِي أَن مَا ذَكرُوهُ من مَوته قد بَينا أَن الله لم يذكر ذَلِك وَأَن الْمَسِيح لم يمت بعد وَمَا ذَكرُوهُ من أَنه صلب ناسوته دون لاهوته بَاطِل من وَجْهَيْن إِن ناسوته لم يصلب وَلَيْسَ فِيهِ لاهوت وهم ذكرُوا ذَلِك دَعْوَى مُجَرّدَة فَيَكْفِي فِي مقابلتها الْمَنْع الْوَجْه الثَّالِث وَلَكِن نقُول فِي الْوَجْه الثَّالِث إِنَّهُم فِي اتِّحَاد اللاهوت بالناسوت يشبهونه تَارَة باتحاد المَاء بِاللَّبنِ وَهَذَا تَشْبِيه اليعقوبية وَتارَة باتحاد النَّار بالحديد أَو النَّفس بالجسم وَهَذَا تَشْبِيه الملكانية وَغَيرهم وَمَعْلُوم أَنه لَا يصل إِلَى المَاء إِلَّا وصل إِلَى اللَّبن فَإِنَّهُ لَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر وَكَذَلِكَ النَّار الَّتِي فِي الْحَدِيد مَتى طرق الْحَدِيد أَو بَصق عَلَيْهِ لحق ذَلِك بالنَّار الَّتِي فِيهِ وَالْبدن إِذا ضرب وعذب لحق ألم الضَّرْب وَالْعَذَاب للنَّفس فَكَأَن حَقِيقَة تمثيلهم يَقْتَضِي أَن اللاهوت أَصَابَهُ مَا أصَاب الناسوت من إهانة الْيَهُود وتعذيبهم وإتلافهم لَهُ والصلب الَّذِي ادعوهُ وَهَذَا لَازم على القَوْل بالاتحاد فَإِن الِاتِّحَاد لَو كَانَ مَا يُصِيب أَحدهمَا لَا يشركهُ الآخر فِيهِ لم يكن هُنَا اتِّحَاد بل تعدد الْوَجْه الرَّابِع أَن هَؤُلَاءِ الضلال لم يَكفهمْ أَن جعلُوا إِلَه السَّمَوَات وَالْأَرْض متحدا ببشر فِي جَوف امْرَأَة وجعلوه لَهُ مسكنا ثمَّ جعلُوا أخابث خلق الله أمسكوه وبصقوا فِي وَجهه وَوَضَعُوا الشوك على رَأسه وصلبوه بَين لصين وَهُوَ فِي ذَلِك يستغيث بِاللَّه وَيَقُول إلهي إلهي لم تَرَكتنِي وهم يَقُولُونَ الَّذِي كَانَ يسمع النَّاس كَلَامه هُوَ اللاهوت كَمَا سمع مُوسَى كَلَام الله من الشَّجَرَة وَيَقُولُونَ هما شخص وَاحِد وَيَقُول بَعضهم لَهما مَشِيئَة وَاحِدَة وطبيعة وَاحِدَة وَالْكَلَام إِنَّمَا يكون بِمَشِيئَة الْمُتَكَلّم فَيلْزم أَن يكون الْمُتَكَلّم الدَّاعِي المستغيث المصلوب هُوَ اللاهوت هُوَ المستغيث المتضرع وَهُوَ المستغاث بِهِ وَأَيْضًا فهم يَقُولُونَ إِن اللاهوت والناسوت شخص وَاحِد فَمَعَ القَوْل بِأَنَّهُمَا شخص وَاحِد إِمَّا أَن يكون مستغيثا وَإِمَّا أَن يكون مستغاثا بِهِ وَإِمَّا أَن يكون دَاعيا وَإِمَّا أَن يكون مدعوا فَإِذا قَالُوا إِن الدَّاعِي هُوَ غير الْمَدْعُو لزم أَن يكون اثْنَيْنِ لَا وَاحِدًا وَإِذا قَالُوا هما وَاحِد فالداعي هُوَ الْمَدْعُو الْوَجْه الْخَامِس أَن يُقَال لَا يَخْلُو الْأَمر ان يَقُولُوا إِن اللاهوت كَانَ قَادِرًا على دفعهم عَن ناسوته وَإِمَّا أَن يَقُولُوا لم يكن قَادِرًا فَإِن قَالُوا لم يكن قَادِرًا لزم أَن يكون أُولَئِكَ الْيَهُود أقدر من رب الْعَالمين وَأَن يكون رب الْعَالمين مقهورا مأسورا مَعَ قوم من شرار الْيَهُود وَهَذَا من أعظم الْكفْر والتنقص بِرَبّ الْعَالمين وَهَذَا أعظم من قَوْلهم إِن لله ولدا وَإنَّهُ بخيل وَإنَّهُ فَقير وَنَحْو ذَلِك مِمَّا سبّ بِهِ الْكفَّار رب الْعَالمين وَإِن قَالُوا كَانَ قَادِرًا فَإِن كَانَ ذَلِك من عدوان الْكفَّار على ناسوته وَهُوَ كَارِه لذَلِك فَسنة الله فِي مثل ذَلِك نصر رسله المستغيثين بِهِ فَكيف لم يغث ناسوته المستصرخ بِهِ هَذَا بِخِلَاف من قتل من النَّبِيين وَهُوَ صابر فَإِن أُولَئِكَ صَبَرُوا حَتَّى قتلوا شُهَدَاء والناسوت عِنْدهم اسْتَغَاثَ وَقَالَ إلهي إلهي لماذا تَرَكتنِي وَإِن كَانَ هُوَ قد فعل ذَلِك مكرا كَمَا يَزْعمُونَ أَنه مكر بالشيطان وأخفى نَفسه حَتَّى يَأْخُذهُ بِوَجْه حق فناسوته أعلم بذلك من جَمِيع الْخلق فَكَانَ الْوَاجِب أَن لَا يجزع وَلَا يهرب لما فِي ذَلِك من الْحِكْمَة وهم يذكرُونَ من جزع الناسوت وهربه ودعائه مَا يَقْتَضِي أَن كل مَا جرى عَلَيْهِ كَانَ بِغَيْر اخْتِيَاره وَيَقُول بَعضهم مشيئتهما وَاحِدَة فَكيف شَاءَ ذَلِك وهرب مِمَّا يكرههُ الناسوت بل لَو يَشَاء اللاهوت مَا يكرههُ كَانَا متباينين وَقد اتفقَا على الْمَكْر بالعدو لم يجزع الناسوت كَمَا جرى ليوسف مَعَ أَخِيه لما وَافقه على أَنه يَجْعَل الصوامع فِي رَحْله وَيظْهر أَنه سَارِق لم يجزع أَخُوهُ لما ظهر الصوامع فِي رحْلَة كَمَا جزع إخْوَته حَيْثُ لم يعلمُوا وَكثير من الشطار العيارين يمسكون ويصلبون وهم ثابتون صَابِرُونَ فَمَا بَال هَذَا يجزع الْجزع الْعَظِيم الَّذِي يصفونَ بِهِ الْمَسِيح وَهُوَ يَقْتَضِي غَايَة النَّقْص الْعَظِيم مَعَ دَعوَاهُم فِيهِ الإلهية الْوَجْه السَّادِس قَوْلهم إِنَّه كَلمته وروحه تنَاقض مِنْهُم لِأَن عِنْدهم أقنوم الْكَلِمَة فَقَط لَا أقنوم الْحَيَاة الْوَجْه السَّابِع قَوْلهم وَقد برهن بقوله رَأينَا أَيْضا فِي مَوضِع آخر قَائِلا إِن الله ألْقى كَلمته إِلَى مَرْيَم وَذَلِكَ حسب قَوْلنَا معشر النَّصَارَى إِن كلمة الله الخالقة الأزلية حلت فِي مَرْيَم واتحدت بِإِنْسَان كَامِل فَيُقَال لَهُم أما قَول الله فِي الْقُرْآن فَهُوَ حق وَلَكِن ضللتم فِي تَأْوِيله كَمَا ضللتم فِي تَأْوِيل غَيره من كَلَام الْأَنْبِيَاء وَمَا بلغوه عَن الله وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿إِذْ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِن الله يبشرك بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمه الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم وجيها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن المقربين ويكلم النَّاس فِي المهد وكهلا وَمن الصَّالِحين قَالَت رب أَنى يكون لي ولد وَلم يمسسني بشر قَالَ كَذَلِك الله يخلق مَا يَشَاء إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فَفِي هَذَا الْكَلَام وُجُوه تبين أَنه مَخْلُوق لَيْسَ هُوَ مَا يَقُوله النَّصَارَى مِنْهَا أَنه قَالَ بِكَلِمَة مِنْهُ وَقَوله بِكَلِمَة مِنْهُ نكرَة فِي الْإِثْبَات يَقْتَضِي أَنه كلمة من كَلِمَات الله لَيْسَ هُوَ كَلَامه كُله كَمَا يَقُوله النَّصَارَى وَمِنْهَا أَنه بَين مُرَاده بقوله بِكَلِمَة مِنْهُ وَأَنه مَخْلُوق حَيْثُ قَالَ وَقَالَ تَعَالَى أَيْضا ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَقَالَ الْمَسِيح يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار وَمَا للظالمين من أنصار لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَمَا من إِلَه إِلَّا إِلَه وَاحِد وَإِن لم ينْتَهوا عَمَّا يَقُولُونَ ليمسن الَّذين كفرُوا مِنْهُم عَذَاب أَلِيم أَفلا يتوبون إِلَى الله ويستغفرونه وَالله غَفُور رَحِيم مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل وَأمه صديقَة كَانَا يأكلان الطَّعَام انْظُر كَيفَ نبين لَهُم الْآيَات ثمَّ انْظُر أَنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله مَا لَا يملك لكم ضرا وَلَا نفعا وَالله هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة انْتَهوا خيرا لكم إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ولد لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض وَكفى بِاللَّه وَكيلا لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله وَأما الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذَابا أَلِيمًا وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم برهَان من ربكُم وأنزلنا إِلَيْكُم نورا مُبينًا فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ فسيدخلهم فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفضل ويهديهم إِلَيْهِ صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله ذَلِك قَوْلهم بأفواههم يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل قَاتلهم الله أَنى يؤفكون اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق إِن كنت قلته فقد عَلمته تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك إِنَّك أَنْت علام الغيوب مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد﴾ فقد قَالَ تَعَالَى فِي موضِعين وَقَالَ تَعَالَى