دقائق التفسير — ابن تيمية
وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ﴿٣٨﴾
وَلَا يجوز بعد ثُبُوت الْحَد بِالْبَيِّنَةِ أَو بِالْإِقْرَارِ تَأْخِيره لَا بِحَبْس وَلَا مَال يفتدي بِهِ وَلَا غَيره بل تقطع يَده فِي الْأَوْقَات المعظمة وَغَيرهَا فَإِن إِقَامَة الْحَد من الْعِبَادَات كالجهاد فِي سَبِيل الله فَيَنْبَغِي أَن يعرف أَن إِقَامَة الْحَد لَا تَأْخُذهُ رأفة فِي دين الله فيعطله وَيكون قَصده رَحْمَة الْخلق بكف النَّاس عَن الْمُنْكَرَات لَا شِفَاء غيظه وَإِرَادَة الْعُلُوّ على الْخلق بِمَنْزِلَة الْوَالِد إِذا أدب وَلَده فَإِنَّهُ لَو كف عَن تأيب وَلَده كَمَا تُشِير بِهِ الْأُم رقة ورأفة لفسد الْوَلَد وَإِنَّمَا يؤدبه رَحْمَة بِهِ وإصلاحا لحاله مَعَ أَنه يود ويؤثر أَن لَا يحوجه إِلَى تَأْدِيب وبمنزلة الطَّبِيب الَّذِي يسْقِي الْمَرِيض الدَّوَاء الكريه وبمنزلة قطع الْعُضْو المتآكل والحجم وَقطع الْعُرُوق بالفصاد وَنَحْو ذَلِك بل بِمَنْزِلَة شرب الْإِنْسَان الدَّوَاء الكريه وَمَا يدْخلهُ على نَفسه من الْمَشَقَّة لينال بِهِ الرَّاحَة
فَهَكَذَا شرعت الْحُدُود وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن تكون نِيَّة الْوَالِي فِي إِقَامَتهَا فَإِنَّهُ مَتى كَانَ قَصده صَلَاح الرّعية وَالنَّهْي عَن الْمُنْكَرَات بجلب الْمَنْفَعَة لَهُم وَدفع الْمضرَّة عَنْهُم وآبتغي بذلك وَجه الله تَعَالَى وَطَاعَة أمره ألان الله لَهُ الْقُلُوب وتيسرت لَهُ أَسبَاب الْخَيْر وَكَفاهُ الْعقُوبَة البشرية وَقد يرضى الْمَحْدُود إِذا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَد وَأما إِذا كَانَ غَرَضه الْعُلُوّ عَلَيْهِم وَإِقَامَة رياسته ليعظموه أَو ليبذلوه لَهُ مَا يُرِيد من الْأَمْوَال انعكس عَلَيْهِ مَقْصُوده ويروى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ قبل أَن يَلِي الْخلَافَة كَانَ نَائِبا للوليد بن عبد الْملك على مَدِينَة النَّبِي ﷺ وَكَانَ قد ساسهم سياسة صَالِحَة فَقدم الْحجَّاج من الْعرَاق وَقد سامهم سوء الْعَذَاب فَسَأَلَ أهل الْمَدِينَة عَن عمر كَيفَ هيبته فِيكُم قَالُوا مَا نستطيع أَن نَنْظُر إِلَيْهِ قَالَ كَيفَ محبتكم لَهُ قَالُوا هُوَ أحب إِلَيْنَا من أهلنا قَالَ فَكيف أدبه فِيكُم قَالُوا مَا بَين
الثَّلَاثَة الأسواط إِلَى الْعشْرَة هَذِه هيبته وَهَذِه محبته وَهَذَا أدبه هَذَا أَمر من السَّمَاء
وَإِذا قطعت يَده حسمت وَاسْتحبَّ أَن تعلق فِي عُنُقه فَإِن سرق ثَانِيًا قطعت رجله الْيُسْرَى فَإِن سرق ثَالِثا ورابعا فَفِيهِ قَولَانِ للصحابة وَمن بعدهمْ من الْعلمَاء أَحدهمَا تقطع أربعته فِي الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة وَهُوَ قَول أبي بكر ﵁ وَمذهب الشَّافِعِي وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالثَّانِي أَنه يحبس وَهُوَ قَول عَليّ ﵁ والكوفيين وَأحمد فِي رِوَايَته الْأُخْرَى
وَإِنَّمَا تقطع يَده إِذا سرق نِصَابا وَهُوَ ربع دِينَار أَو ثَلَاثَة دَرَاهِم عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء من أهل الْحجاز وَأهل الحَدِيث وَغَيرهم كمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَمِنْهُم من يَقُول دِينَار أَو عشرَة دَرَاهِم فَمن سرق ذَلِك قطع بالِاتِّفَاقِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر ﵄
أَن رَسُول الله ﷺ قطع فِي مجن ثمنه ثَلَاثَة دَرَاهِم وَفِي لقظ لمُسلم قطع سَارِقا فِي مجن قِيمَته ثَلَاث دَرَاهِم والمجن الترس وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ
تقطع الْيَد فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ قَالَ اقطعو فِي ربع دِينَار وَلَا تقطعوا فِيمَا هُوَ أدنى من ذَلِك وَكَانَ ربع الديار يَوْمئِذٍ دَرَاهِم وَالدِّينَار اثْنَي عشر درهما
وَلَا يكون السَّارِق سَارِقا حَتَّى يَأْخُذ المَال من حرز فَأَما المَال الضائع من صَاحبه وَالثَّمَر الَّذِي يكون فِي الشّجر فِي الصَّحرَاء بِلَا حَائِط والماشية الَّتِي لَا راعي عِنْدهَا وَنَحْو ذَلِك فَلَا قطع فِيهِ لَكِن يُعَزّر الْأَخْذ ويضاعف عَلَيْهِ الْغرم كَمَا جَاءَ بِهِ الحَدِيث
وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي التَّضْعِيف وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَحْمد وَغَيره قَالَ رَافع بن خديج سَمِعت رَسُول الله ﷺ
لَا قطع فِي ثَمَر وَلَا كثر والكثر جمار النّخل رَوَاهُ أهل السّنَن وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده ﵁ قَالَ
سَمِعت رجلا من مزينة يسْأَل رَسُول الله ﷺ قَالَ يَا رَسُول الله جِئْت أَسأَلك عَن الضَّالة من الْإِبِل قَالَ مَعهَا حذاؤها وسقاؤها تَأْكُل الشّجر وَترد المَاء فدعها حَتَّى يَأْتِيهَا باغيها قَالَ فالضالة من الْغنم قَالَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب تجمعها حَتَّى يَأْتِيهَا باغيها قَالَ فالحريسة الَّتِي تُؤْخَذ من مراتعها قَالَ فِيهَا ثمنهَا مرَّتَيْنِ وَضرب نكال وَمَا أَخذ من عطنه فَفِيهِ الْقطع
إِذا بلغ مَا يُؤْخَذ من ذَلِك ثمن الْمِجَن قَالَ يَا رَسُول الله فالثمار وَمَا أَخذ مِنْهَا من أكمامها قَالَ من أَخذ مِنْهَا بفمه وَلم يتَّخذ خبنة فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء وَمن احْتمل فَعَلَيهِ ثمنه مرَّتَيْنِ وَضرب نكال وَمَا أَخذ من أجرانه فَفِيهِ الْقطع إِذا بلغ مَا يُؤْخَذ من ذَلِك ثمن الْمِجَن وَمَا لم يبلغ ثمن الْمِجَن فَفِيهِ غَرَامَة مثلية وجلدات نكال رَوَاهُ أهل السّنَن لَكِن هَذَا سِيَاق النَّسَائِيّ وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ لَيْسَ على المنتهب وَلَا على المختلس وَلَا الخائن قطع فالمنتهب الَّذِي ينهب الشَّيْء وَالنَّاس ينظرُونَ والمختلس الَّذِي يجتذب الشَّيْء فَيعلم بِهِ قبل أَخذه وَأما الطرار وَهُوَ البطاط الَّذِي يبط الْجُيُوب والمناديل والأكمام وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ يقطع على الصَّحِيح
فصل
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ قَالَ عَامَّة الْمُفَسّرين كَابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعَطَاء وَالْفراء الْوَسِيلَة الْقرْبَة
قَالَ قَتَادَة تقربُوا إِلَى الله بِمَا يرضيه قَالَ أَبُو عُبَيْدَة توسلت إِلَيْهِ أَي تقربت وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد تحببوا إِلَى الله والتحبب والتقرب إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ بِطَاعَة رَسُوله فالإيمان بالرسول وطاعته هُوَ وَسِيلَة الْخلق إِلَى الله لَيْسَ لَهُم وَسِيلَة يتوسلون بهَا الْبَتَّةَ إِلَّا الْإِيمَان بِرَسُولِهِ وطاعته وَلَيْسَ لأحد من الْخلق وَسِيلَة إِلَى الله ﵎ إِلَّا توسله بِالْإِيمَان بِهَذَا الرَّسُول الْكَرِيم وطاعته وَهَذِه يُؤمر بهَا الْإِنْسَان حَيْثُ كَانَ من الْأَمْكِنَة وَفِي كل وَقت وَمَا خص من الْعِبَادَات بمَكَان كَالْحَجِّ أَو زمَان كَالصَّوْمِ وَالْجُمُعَة فَكل فِي مَكَانَهُ وزمانه وَلَيْسَ لنَفس الْحُجْرَة من دَاخل فضلا عَن جدارها من خَارج اخْتِصَاص شَيْء فِي شرع الْعِبَادَات وَلَا فعل شَيْء مِنْهَا فالقرب من الله أفضل مِنْهُ بالبعد مِنْهُ بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَالْمَسْجِد خص بالفضيلة فِي حَيَاته ﷺ قبل وجود الْقَبْر فَلم تكن فَضِيلَة مَسْجده لذَلِك وَلَا اسْتحبَّ هُوَ ﷺ وَلَا أحد من أَصْحَابه وَلَا عُلَمَاء أمته أَن يجاور أحد عِنْد قبر ولايعكف عَلَيْهِ لَا قَبره المكرم وَلَا قبر غَيره وَلَا أَن يقْصد السُّكْنَى قَرِيبا من قبر أَي قبر كَانَ وسكنى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة هُوَ أفضل فِي حق من تَتَكَرَّر طَاعَته لله وَرَسُوله فِيهَا أَكثر كَمَا كَانَ الْأَمر لما كَانَ النَّاس مأمورين بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا فَكَانَت