دقائق التفسير — ابن تيمية
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًۭا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَٰلِمُونَ ﴿١٤﴾
كَانَ هَذَا الْمَجْمُوع دَالا على تِسْعمائَة وَخمسين سنة بطرِيق الْحَقِيقَة عِنْد جَمَاهِير النَّاس
وَمن قَالَ إِن هَذَا مجَاز فقد غلط فَإِن هَذَا الْمَجْمُوع لم يسْتَعْمل فِي غير مَوْضِعه وَمَا يقْتَرن بِاللَّفْظِ من الْقَرَائِن اللفظية الْمَوْضُوعَة هِيَ من تَمام الْكَلَام وَلِهَذَا لَا يحْتَمل الْكَلَام مَعهَا مَعْنيين وَلَا يجوز نفي مفهومهما بِخِلَاف اسْتِعْمَال لفظ الْأسد فِي الرجل الشجاع مَعَ أَن قَول الْقَائِل هَذَا اللَّفْظ حَقِيقَة وَهَذَا مجَاز نزاع لَفْظِي وَهُوَ مُسْتَند من أنكر الْمجَاز فِي اللُّغَة أَو فِي الْقُرْآن وَلم ينْطق بِهَذَا أحد من السّلف وَالْأَئِمَّة وَلم يعرف لفظ الْمجَاز فِي كَلَام أحد من الْأَئِمَّة إِلَّا فِي كَلَام الإِمَام أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا كتبه من الرَّد على الزَّنَادِقَة والجهمية هَذَا من مجَاز الْقُرْآن وَأول من قَالَ ذَلِك مُطلقًا أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى فِي كِتَابه الَّذِي صنفه فِي مجَاز الْقُرْآن ثمَّ إِن هَذَا كَانَ مَعْنَاهُ عِنْد الْأَوَّلين مِمَّا يجوز فِي اللُّغَة ويسوغ فَهُوَ مُشْتَقّ عِنْدهم من الْجَوَاز كَمَا يَقُول الْفُقَهَاء عقد لَازم وَجَائِز وَكثير من الْمُتَأَخِّرين جعله من الْجَوَاز الَّذِي هُوَ العبور من معنى الْحَقِيقَة إِلَى معنى الْمجَاز ثمَّ إِنَّه لَا ريب أَن الْمجَاز قد يشيع ويشتهر حَتَّى يصير حَقِيقَة
وَالْمَقْصُود أَن الْقَائِل إِذا قَالَ رَأَيْت الشَّمْس أَو الْقَمَر أَو الْهلَال أَو غير ذَلِك فِي المَاء والمرآة فالعقلاء متفقون على الْفرق بَين هَذِه الرُّؤْيَة وَبَين رُؤْيَة ذَلِك بِلَا وَاسِطَة وَإِذا قَالَ قَائِل مَا رأى ذَلِك بل رأى مِثَاله أَو خياله أَو رأى الشعاع المنعكس أَو نَحْو ذَلِك لم يكن هَذَا مَانِعا لما يُعلمهُ النَّاس ويقولونه من أَنه رَآهُ فِي المَاء أَو الْمرْآة وَهَذِه الرُّؤْيَة فِي المَاء أَو الْمرْآة حَقِيقَة مُقَيّدَة وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي ﷺ من رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي حَقًا فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل فِي صُورَتي هُوَ كَمَا قَالَ ﷺ رَآهُ فِي الْمَنَام حَقًا فَمن قَالَ مَا رَآهُ فِي الْمَنَام حَقًا فقد أَخطَأ وَمن قَالَ إِن رُؤْيَته فِي الْيَقَظَة بِلَا وَاسِطَة كالرؤية بالواسطة الْمقيدَة بِالنَّوْمِ فقد أَخطَأ وَلِهَذَا يكون لهَذِهِ تَأْوِيل وتعبير دون تِلْكَ
وَكَذَلِكَ مَا سَمعه مِنْهُ من الْكَلَام فِي الْمَنَام هُوَ سَماع مِنْهُ فِي الْمَنَام وَلَيْسَ هَذَا كالسماع مِنْهُ فِي الْيَقَظَة وَقد يرى الرَّائِي فِي الْمَنَام أشخاصا يخاطبهم ويخاطبونه والمرئيون لَا شُعُور لَهُم بذلك وَإِنَّمَا رأى مثالهم وَلَكِن يُقَال رَآهُمْ فِي الْمَنَام حَقِيقَة فيحترز بذلك عَن الرُّؤْيَا الَّتِي هِيَ حَدِيث النَّفس
فَإِن الرُّؤْيَا ثَلَاثَة أَقسَام رُؤْيا بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشَّيْطَان ورؤيا مِمَّا يحدث الْمَرْء بِهِ نَفسه فِي الْيَقَظَة فيراه فِي الْمَنَام وَقد ثَبت هَذَا التَّقْسِيم فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ وَلَكِن الرُّؤْيَا يظْهر لكل أحد من الْفرق بَينهَا وَبَين الْيَقَظَة مَا لَا يظْهر فِي غَيرهَا فَكَمَا أَن الرُّؤْيَة تكون مُطلقَة وَتَكون مُقَيّدَة بِوَاسِطَة الْمرْآة وَالْمَاء أَو غير ذَلِك حَتَّى إِن المرئي يخْتَلف باخْتلَاف الْمرْآة فَإِذا كَانَت كَبِيرَة مستديرة رأى كَذَلِك وَإِن كَانَت صَغِيرَة أَو مستطيلة رأى كَذَلِك فَكَذَلِك فِي السماع يفرق بَين من سمع كَلَام غَيره مِنْهُ وَمن سَمعه بِوَاسِطَة الْمبلغ فَفِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَقْصُود سَماع كَلَامه كَمَا أَن هُنَاكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يقْصد رُؤْيَة نفس النَّبِي لَكِن إِذا كَانَ بِوَاسِطَة اخْتلف باخْتلَاف الْوَاسِطَة فيختلف باخْتلَاف أصوات المبلغين كَمَا يخْتَلف المرئي باخْتلَاف المرايا قَالَ تَعَالَى