×
العنكبوتالآية ٢٥

دقائق التفسير — ابن تيمية

وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَٰنًۭا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍۢ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًۭا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ﴿٢٥﴾

قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ فالمشرك يعبد مَا يهواه وَاتِّبَاع الْهوى هُوَ استمتاع من صَاحبه بِمَا يهواه وَقد وَقع فِي الْإِنْس وَالْجِنّ هَذَا كُله وَتارَة يخْدم هَؤُلَاءِ لهَؤُلَاء فِي أغراضهم وَهَؤُلَاء لهَؤُلَاء فِي أغراضهم فالجن تَأتيه بِمَا يُرِيد من صُورَة أَو مَال أَو قتل عدوه وَالْإِنْس تطيع الْجِنّ فَتَارَة يسْجد لَهُ وَتارَة لما يَأْمُرهُ بِالسُّجُود لَهُ وَتارَة يُمكنهُ من نَفسه فيفعل بِهِ الْفَاحِشَة وَكَذَلِكَ الجينات مِنْهُنَّ من يُرِيد من الْإِنْس الَّذِي يخدمنه مَا يُرِيد نسَاء الْإِنْس من الرِّجَال وَهَذَا كثير فِي رجال الْجِنّ وَنِسَائِهِمْ فكثير من رِجَالهمْ ينَال من نسَاء الْإِنْس مَا يَنَالهُ الْإِنْسِي وَقد يفعل ذَلِك بالذكران وصرع الْجِنّ للإنس هُوَ لأسباب ثَلَاثَة تَارَة يكون الجني يحب المصروع ليتمتع بِهِ وَهَذَا الصرع يكون أرْفق من غَيره وأسهل وَتارَة يكون الْإِنْسِي آذاهم إِذا بَال عَلَيْهِم أَو صب عَلَيْهِم مَاء حارا أَو يكون قتل بَعضهم أَو غير ذَلِك من أَنْوَاع الْأَذَى هَذَا أَشد الصرع وَكَثِيرًا مَا يقتلُون المصروع وَتارَة يكون بطرِيق الْعَبَث بِهِ كَمَا يعبث سُفَهَاء الْإِنْس بأبناء السَّبِيل وَمن استمتاع الْإِنْس وَالْجِنّ استخدامهم فِي الْإِخْبَار بالأمور الغائبة كَمَا يخبر الْكُهَّان فَإِن فِي الْإِنْس من لَهُ غَرَض فِي هَذَا لما يحصل بِهِ من الرياسة وَالْمَال وَغير ذَلِك فَإِن كَانَ الْقَوْم كفَّارًا كَمَا كَانَت الْعَرَب لم تبال بِأَن يُقَال أَنه كَاهِن كَمَا كَانَ الْعَرَب كهانا وَقدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة وفيهَا كهان وَكَانَ المُنَافِقُونَ يطْلبُونَ التحاكم إِلَى الْكُهَّان وَكَانَ أَبُو ابرق الْأَسْلَمِيّ أحد الْكُهَّان قبل أَن يسلم وَإِن كَانَ الْقَوْم مُسلمين لم يظْهر أَنه كَاهِن بل يَجْعَل ذَلِك من بَاب الكرامات وَهُوَ من جنس الْكُهَّان فَإِنَّهُ لَا يخْدم الْإِنْسِي بِهَذِهِ الْأَخْبَار إِلَّا لما يسْتَمْتع بِهِ من الْإِنْسِي بِأَن يطيعه الْإِنْسِي فِي بعض مَا يُريدهُ إِمَّا فِي شرك وَإِمَّا فِي فَاحِشَة وَإِمَّا فِي أكل حرَام وَإِمَّا فِي قتل بِغَيْر حق فالشياطين لَهُم غَرَض فِيمَا نهى الله عَنهُ من الْكفْر والفسوق والعصيان وَلَهُم لَذَّة فِي الشَّرّ والفتن يحبونَ ذَلِك وَإِن لم يكن فِيهِ مَنْفَعَة لَهُم وهم يقومُونَ بِأَمْر السَّارِق أَن يسرق وَيذْهب إِلَى أهل المَال فَيَقُولُونَ فلَان سرق مَتَاعكُمْ وَلِهَذَا يُقَال الْقُوَّة الملكية والبهيمية والسبعية والشيطانية فَإِن الملكية فِيهَا الْعلم النافع وَالْعَمَل الصَّالح والبهيمية فِيهَا الشَّهَوَات كَالْأَكْلِ وَالشرب والسبعية فِيهَا الْغَضَب وَهُوَ دفع المؤذي وَأما الشيطانة فشر مَحْض لَيْسَ فِيهَا جلب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة والفلاسفة وَنَحْوهم مِمَّن لَا يعرف الْجِنّ وَالشَّيَاطِين لَا يعْرفُونَ هَذِه وَإِنَّمَا يعْرفُونَ الشَّهْوَة وَالْغَضَب والشهوة وَالْغَضَب خلقا لمصْلحَة وَمَنْفَعَة لَكِن المذموم هُوَ الْعدوان فيهمَا وَأما الشَّيْطَان فيأمر بِالشَّرِّ الَّذِي لَا مَنْفَعَة فِيهِ وَيُحب ذَلِك كَمَا فعل إِبْلِيس بِآدَم لما وسوس لَهُ وكما امْتنع من السُّجُود لَهُ فالحسد يَأْمر بِهِ الشَّيْطَان والحاسد لَا ينْتَفع بِزَوَال النِّعْمَة عَن الْمَحْسُود لَكِن يبغض ذَلِك وَقد يكون بغضه لفَوَات غَرَضه وَقد لَا يكون وَمن استمتاع الْإِنْس بالجن استخدامهم فِي إِحْضَار بعض مَا يطلبونه من مَال وَطَعَام وَثيَاب وَنَفَقَة فقد يأْتونَ بِبَعْض ذَلِك وَقد يدلونه على كنز وَغَيره واستمتاع الْجِنّ بالإنس استعمالهم فِيمَا يُريدهُ الشَّيْطَان من كفر وفسوق ومعصية وَمن استمتاع الْإِنْس بالجن استخدامهم فِيمَا يَطْلُبهُ الْإِنْس من شرك وَقتل وفواحش فَتَارَة بتمثل الجني فِي صُورَة الْإِنْسِي فَإِذا اسْتَغَاثَ بِهِ فِي بعض أَتْبَاعه أَتَاهُ فَظن أَنه الشَّيْخ نَفسه وَتارَة يكون التَّابِع قد نَادَى شَيْخه وهتف بِهِ يَا سَيِّدي فلَان فينقل الجني ذَلِك الْكَلَام إِلَى الشَّيْخ بِمثل صَوت الْإِنْسِي حَتَّى يظنّ الشَّيْخ أَنه صَوت الْإِنْسِي بِعَيْنِه ثمَّ إِن الشَّيْخ يَقُول نعم وَيُشِير إِشَارَة يدْفع بهَا ذَلِك الْمَكْرُوه فَيَأْتِي الجني بِمثل ذَلِك الصَّوْت وَالْفِعْل يظنّ ذَلِك الشَّخْص أَنه شَيْخه نَفسه وَهُوَ الَّذِي أَجَابَهُ وَهُوَ الَّذِي فعل ذَلِك حَتَّى إِن تَابع الشَّيْخ قد تكون يَده فِي إِنَاء يَأْكُل فَيَضَع الجني يَده فِي صُورَة يَد الشَّيْخ وَيَأْخُذ من الطَّعَام فيظن ذَلِك التَّابِع أَنه شَيْخه حَاضر مَعَه والجني يمثل للشَّيْخ نَفسه مثل ذَلِك الْإِنَاء فَيَضَع يَده فِيهِ حَتَّى يظنّ الشَّيْخ أَن يَده فِي ذَلِك الْإِنَاء فَإِذا حضر المريد ذكر لَهُ الشَّيْخ أَن يَدي كَانَت فِي الْإِنَاء فيصدقه وَيكون بَينهمَا مَسَافَة شهر وَالشَّيْخ فِي مَوْضِعه وَيَده لم تطل وَلَكِن الجني مثل للشَّيْخ وَمثل للمريد حَتَّى ظن كل مِنْهُمَا أَن أَحدهمَا عِنْد الآخر وَإِنَّمَا كَانَ عِنْده مَا مثله الجني وخيله وَإِذا سُئِلَ الشَّيْخ المخدوم عَن أَمر غَائِب إِمَّا سَرقَة وَإِمَّا شخص مَاتَ وَطلب مِنْهُ أَن يخبر بِحَالهِ أَو عِلّة فِي النِّسَاء أَو غير ذَلِك فَإِن الجني قد يمثل ذَلِك فيريه صُورَة الْمَسْرُوق فَيَقُول الشَّيْخ ذهب لكم كَذَا وَكَذَا ثمَّ إِن كَانَ صَاحب المَال مُعظما وَأَرَادَ أَن يدله على سَرقته مثل لَهُ الشَّيْخ الَّذِي أَخذه أَو الْمَكَان الَّذِي فِيهِ المَال فيذهبون إِلَيْهِ فيجدونه كَمَا قَالَ وَالْأَكْثَر مِنْهُم أَنهم يظهرون صُورَة المَال وَلَا يكون عَلَيْهِ لِأَن الَّذِي سرق المَال مَعَه أَيْضا حَتَّى يَخْدمه وَالْجِنّ يخَاف بَعضهم من بعض كَمَا أَن الْإِنْس يخَاف بَعضهم بَعْضًا فَإِذا دلّ الجني عَلَيْهِ جَاءَ إِلَيْهِ أَوْلِيَاء السَّارِق فآذوه وَأَحْيَانا لَا يدل لكَون السَّارِق وأعوانه يخدمونه ويرشونه كَمَا يُصِيب معرف اللُّصُوص من الْإِنْس تَارَة يعرف السَّارِق وَلَا يعرف بِهِ إِمَّا لرغبة ينالها مِنْهُ وَإِمَّا لرهبة وَخَوف مِنْهُ وَإِذا كَانَ المَال الْمَسْرُوق لكبير يخافه ويرجوه عرف سارقه فَهَذَا وَأَمْثَاله من استمتاع بَعضهم بِبَعْض وَالْجِنّ مكلفون كتكليف الْإِنْس وَمُحَمّد ﷺ مُرْسل إِلَى الثقلَيْن الْجِنّ وَالْإِنْس وكفار الْجِنّ يدْخلُونَ النَّار بنصوص وَإِجْمَاع الْمُسلمين وَأما مؤمنهم ففيهم قَولَانِ وَأكْثر الْعلمَاء على أَنهم يثابون أَيْضا ويدخلون الْجنَّة وَقد رُوِيَ أَنهم يكونُونَ فِي ربضها يراهم الْإِنْس من حَيْثُ لَا يرَوْنَ الْإِنْس عكس الْحَال فِي الدُّنْيَا وَهُوَ حَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الصَّغِير يحْتَاج النّظر فِي إِسْنَاده وَقد احْتج ابْن أبي ليلى وَأَبُو يُوسُف على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ وَقد ذكر الْجِنّ وَالْإِنْس الْأَبْرَار والفجار فِي الْأَحْقَاف والأنعام وَاحْتج الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره بقوله تَعَالَى