×
الأنبياءالآية ٩١

دقائق التفسير — ابن تيمية

وَٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَٰهَا وَٱبْنَهَآ ءَايَةًۭ لِّلْعَٰلَمِينَ ﴿٩١﴾

فَأخْبر أَنه نفخ فِي مَرْيَم من روحه كَمَا أخبر أَنه نفخ فِي آدم من روحه وَقد بَين أَنه أرسل إِلَيْهَا روحه ﴿فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر وَلم أك بغيا قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين ولنجعله آيَة للنَّاس وَرَحْمَة منا وَكَانَ أمرا مقضيا فَحَملته﴾ فَهَذَا الرّوح الَّذِي أرْسلهُ الله إِلَيْهَا ليهب لَهَا غُلَاما زكيا مَخْلُوق وَهُوَ روح الْقُدس الَّذِي خلق الْمَسِيح مِنْهُ وَمن مَرْيَم فَإِذا كَانَ الأَصْل مخلوقا فَكيف الْفَرْع الَّذِي حصل بِهِ وَهُوَ روح الْقُدس وَقَوله عَن الْمَسِيح ﴿وروح مِنْهُ﴾ خص الْمَسِيح بذلك لِأَنَّهُ نفخ فِي أمه من الرّوح فحبلت بِهِ من ذَلِك النفخ وَذَلِكَ غير روحه الَّتِي يُشَارِكهُ فِيهَا سَائِر الْبشر فامتاز بِأَنَّهَا حبلت بِهِ من نفخ الرّوح فَلهَذَا سمي روحا مِنْهُ وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَة من الْمُفَسّرين روح مِنْهُ أَي رَسُول مِنْهُ فَسَماهُ باسم الرّوح الَّذِي هُوَ الرَّسُول الَّذِي نفخ فِيهَا فَكَمَا يُسمى كلمة يُسمى روحا لِأَنَّهُ كَون بِالْكَلِمَةِ لَا كَمَا يخلق الآدميون غَيره وَيُسمى روحا لِأَنَّهُ حبلت بِهِ أمه بنفخ الرّوح الَّذِي نفخ فِيهَا لم تحبل من ذكر كَغَيْرِهِ من الْآدَمِيّين وعَلى هَذَا فَيُقَال لما خلق من نفخ الرّوح وَمن مَرْيَم سمى روحا بِخِلَاف سَائِر الْآدَمِيّين فَإِنَّهُ يخلق من ذكر وَأُنْثَى ثمَّ ينْفخ فِيهِ من الرّوح بعد مُضِيّ أَرْبَعَة أشهر وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي أمانتهم تجسد من مَرْيَم وَمن روح الْقُدس وَلَو اقتصروا على هَذَا وفسروا روح الْقُدس بِالْملكِ الَّذِي نفخ فِيهَا وَهُوَ روح الله لَكَانَ هَذَا مُوَافقا لما أخبر الله بِهِ لكِنهمْ جعلُوا روح الْقُدس حَيَاة الله وجعلوه رَبًّا وتناقضوا فِي ذَلِك فَإِنَّهُ على هَذَا كَانَ يَنْبَغِي فِيهِ أقنومان أقنوم الْكَلِمَة وأقنوم الرّوح وهم يَقُولُونَ لَيْسَ فِيهِ أَلا أقنوم الْكَلِمَة وكما يُسمى الْمَسِيح كلمة لِأَنَّهُ خلق بِالْكَلِمَةِ يُسمى روحا لِأَنَّهُ حل بِهِ الرّوح فَإِن قيل فقد قَالَ فِي الْقُرْآن ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعلمُونَ أَنه منزل من رَبك﴾ وَقَالَ ﴿تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ وَقد قَالَ أَئِمَّة الْمُسلمين وجمهورهم الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ وَقَالَ فِي الْمَسِيح وروح مِنْهُ قيل هَذَا بِمَنْزِلَة سَائِر الْمُضَاف إِلَى الله إِن كَانَ عينا قَائِمَة بِنَفسِهَا أَو صفة فِيهَا كَانَ مخلوقا وَإِن كَانَ صفة مُضَافَة إِلَى الله كعلمه وَكَلَامه وَنَحْو ذَلِك كَانَ إِضَافَة صفة وَكَذَلِكَ مَا مِنْهُ إِن كَانَ عينا قَائِمَة تعين بغَيْرهَا كَمَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالنعَم وَالروح الَّذِي أرسلها الى مَرْيَم وَقَالَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَرْيَم ابْنة عمرَان الَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهِ من رُوحنَا﴾ فَهَذَا يُوَافق قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك﴾ وَهَذَا مَبْسُوط فِي مَوضِع آخر وَالْمَقْصُود هُنَا أَنهم سَوَاء صدقُوا مُحَمَّدًا أَو كذبوه فَإِنَّهُ يلْزم بطلَان دينهم على التَّقْدِيرَيْنِ فَإِنَّهُ إِن كَانَ نَبيا صَادِقا فقد بلغ عَن الله فِي هَذَا الْكتاب كفر النَّصَارَى فِي غير مَوضِع ودعاهم إِلَى الْإِيمَان بِهِ وَأمر بجهادهم فَمن علم أَنه نَبِي وَلَو إِلَى طَائِفَة مُعينَة فَيجب تَصْدِيقه فِي كل مَا أخبر بِهِ وَقد أخبر بِكفْر النَّصَارَى وضلالهم فَإِذا ثَبت هَذَا لم يغن عَنْهُم الِاحْتِجَاج بِشَيْء من الْكتب وَلَا الِاحْتِجَاج بِشَيْء من الْمَعْقُول بل يعلم من حَيْثُ الْجُمْلَة أَن كل مَا يحتجون بِهِ على صِحَة دينهم فَهُوَ بَاطِل وَإِن لم يبين فَسَاد حججهم على التَّفْصِيل لِأَن الْأَنْبِيَاء لَا يَقُولُونَ إِلَّا حَقًا كَمَا أَن الْمَسِيح ﵇ لما حكم بِكفْر من كذبه من الْيَهُود كَانَ كل مَا يحْتَج بِهِ الْيَهُود على خلاف ذَلِك بَاطِلا فَكل مَا عَارض قَول النَّبِي ﷺ الْمَعْصُوم فَهُوَ بَاطِل وَإِن كذبُوا مُحَمَّدًا تَكْذِيبًا عَاما مُطلقًا وَقَالُوا لَيْسَ هُوَ نَبِي أصلا وَلَا أرسل إِلَى أحد لَا إِلَى الْعَرَب وَلَا إِلَى غَيرهم بل كَانَ من الْكَذَّابين امْتنع مَعَ هَذَا أَن يصدقُوا بنبوة غَيره فَإِن الطَّرِيق الَّذِي يعلم بِهِ بنوة مُوسَى وَعِيسَى يعلم بِهِ نبوة مُحَمَّد بطرِيق الأولى فَإِذا قَالُوا علمت نبوة مُوسَى والمسيح بالمعجزات وَعرفت المعجزات بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر إِلَيْنَا قيل لَهُم معجزات مُحَمَّد ﷺ أعظم وتواترها أبلغ وَالْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ أكمل وَأمته أفضل وَشَرَائِع دينه أحسن ومُوسَى جَاءَ بِالْعَدْلِ وَعِيسَى جَاءَ بتكميلها بِالْفَضْلِ وَهُوَ ﷺ قد جمع فِي شَرِيعَته بَين الْعدْل وَالْفضل فَإِن سَاغَ لقَائِل أَن يَقُول هُوَ مَعَ هَذَا كَاذِب مفتر كَانَ على هَذَا التَّقْدِير الْبَاطِل غَيره أولى أَن يُقَال فِيهِ ذَلِك فَيبْطل بتكذيبهم مُحَمَّدًا ﷺ جَمِيع مَا مَعَهم من النبوات إِذْ حكم اُحْدُ الشَّيْئَيْنِ حكم مثله فَكيف بِمَا هُوَ أولى مِنْهُ فَلَو قَالَ قَائِل إِن هَارُون ويوشع وَدَاوُد وَسليمَان كَانُوا أَنْبيَاء ومُوسَى لم يكن نَبيا أَو أَن دَاوُد وَسليمَان ويوشع وَيحيى كَانُوا أَنْبيَاء والمسيح لم يكن نَبيا أَو قَالَ مَا يَقُوله السامرة إِن يُوشَع كَانَ نَبيا وَمن بعده كداود وَسليمَان والمسيح لم يَكُونُوا أَنْبيَاء أَو قَالَ مَا يَقُوله الْيَهُود إِن دَاوُد وَسليمَان وشيعا وحبقوق ومليخا وعاموص ودانيال كَانُوا أَنْبيَاء والمسيح بن مَرْيَم لم يكن نَبيا كَانَ هَذَا قولا متناقضا مَعْلُوم الْبطلَان فَإِن الَّذين نفى هَؤُلَاءِ عَنْهُم النُّبُوَّة احق بِالنُّبُوَّةِ وأكمل نبوة مِمَّن أثبتوها لَهُ وَدَلَائِل نبوة الْأَكْمَل أفضل فَكيف يجوز إِثْبَات النُّبُوَّة للنَّبِي الْمَفْضُول دون الْفَاضِل وَصَارَ هَذَا كَمَا لَو قَالَ قَائِل إِن زفر وَابْن الْقَاسِم والمزني والأثرم كَانُوا فُقَهَاء وَأَبا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد لم يَكُونُوا فُقَهَاء اَوْ قَالَ إِن الْأَخْفَش وَابْن الْأَنْبَارِي والمبرد كَانُوا نحاة والخليل وسيبويه وَالْفراء لم يَكُونُوا نحاة أَو قَالَ إِن صَاحب الملكي والمسيحي وَنَحْوهمَا من كتب الطِّبّ كَانُوا أطباء وبقراط وجالينوس وَنَحْوهمَا لم يَكُونُوا أطباء أَو قَالَ إِن كوشيار والخرقي وَنَحْوهمَا كَانُوا يعْرفُونَ علم الْهَيْئَة وبطليموس وَنَحْوه لم يكن لَهُ علم بالهيئة وَمن قَالَ إِن دَاوُد وَسليمَان ومليخا وعاموص ودانيال كَانُوا أَنْبيَاء وَمُحَمّد بن عبد الله لم يكن نَبيا فتناقضه أظهر وَفَسَاد قَوْله أبين من هَذَا جَمِيعه بل وَكَذَلِكَ من قَالَ إِن مُوسَى وَعِيسَى رسولان رسولان والتوراة وَالْإِنْجِيل كِتَابَانِ منزلان من عِنْد الله ومحمدا لَيْسَ برَسُول وَالْقُرْآن لم ينزل من الله فبطلان قَوْله فِي غَايَة الظُّهُور وَالْبَيَان لن تدبر مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ من قبله وتدبر كِتَابه والكتب الَّتِي قبله وآيات نبوته وآيات نبوة هَؤُلَاءِ وَشَرَائِع دينه وَشَرَائِع دين هَؤُلَاءِ وَهَذِه الْجُمْلَة مفصلة مشروحة فِي غير هَذَا الْموضع لَكِن الْمَقْصُود هُنَا التَّنْبِيه على مجامع جوابهم وَهَؤُلَاء الْقَوْم لم يَأْتُوا بِدَلِيل وَاحِد يدل على صدق من احْتَجُّوا بِهِ من الْأَنْبِيَاء فَلَو ناظرهم من يكذب بهؤلاء الْأَنْبِيَاء كلهم من الْمُشْركين والملاحدة لم يكن فِيمَا ذَكرُوهُ حجَّة لَهُم وَلَا حجَّة لَهُم أَيْضا على الْمُسلمين الَّذين يقرونَ بنبوة هَؤُلَاءِ فَإِن جُمْهُور الْمُسلمين إِنَّمَا عرفُوا صدق هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء بِإِخْبَار مُحَمَّد أَنهم أَنْبيَاء فَيمْتَنع أَن يصدقُوا بالفرع مَعَ الْقدح فِي الأَصْل الَّذِي بِهِ علمُوا صدقهم وَأَيْضًا فالطريق الَّذِي بِهِ علمت نبوة هَؤُلَاءِ بِمَا ثَبت من معجزاتهم وأخبارهم فَكَذَلِك تعلم نبوة مُحَمَّد بِمَا ثَبت من معجزاته وأخباره بطرِيق الأولى فَيمْتَنع أَن يصدق أحد من الْمُسلمين بنبوة وَاحِد من هَؤُلَاءِ مَعَ تَكْذِيبه لمُحَمد فِي كلمة مِمَّا جَاءَ بِهِ فصل فِي عُقُوبَة الْمُحَاربين بَين وقطاع الطَّرِيق قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأَرْض ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ وَقد روى الشَّافِعِي ﵀ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس ﵁ فِي قطاع الطَّرِيق إِذا قتلوا وَأخذُوا المَال قتلوا وصلبوا وَإِذا قتلوا وَلم يَأْخُذُوا المَال قتلوا وَلم يصلبوا وَإِذا أخذُوا المَال وَلم يقتلُوا قطعت أَيْديهم وأرجلهم من خلاف وَإِذا أخافوا السَّبِيل وَلم يَأْخُذُوا مَالا نفوا من الأَرْض وَهَذَا قَول كثير من أهل الْعلم كالشافعي وَأحمد وَهُوَ قريب من قَول أبي حنيفَة ﵀ وَمِنْهُم من قَالَ للْإِمَام أَن يجْتَهد فيهم فَيقْتل من رأى قَتله مصلحَة وَإِن كَانَ لم يقتل مثل أَن يكون رَئِيسا مُطَاعًا فيهم وَيقطع من رأى قطعه مصلحَة وَإِن كَانَ لم يَأْخُذ المَال مثل أَن يكون ذَا جلد وَقُوَّة فِي أَخذ المَال كَمَا أَن مِنْهُم من يرى أَنه إِذا أخذُوا المَال قتلوا وَقَطعُوا وصلبوا وَالْأول قَول الْأَكْثَر فَمن كَانَ من الْمُحَاربين قد قتل فَإِنَّهُ يقْتله الإِمَام حدا لَا يجوز الْعَفو عَنهُ بِحَال بِإِجْمَاع الْعلمَاء ذكره ابْن الْمُنْذر وَلَا يكون أمره إِلَى وَرَثَة الْمَقْتُول بِخِلَاف مَا لَو قتل رجلا لعداوة بَينهمَا أَو خُصُومَة أَو نَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب الْخَاصَّة فَإِن هَذَا دَمه لأولياء الْمَقْتُول إِن أَحبُّوا قتلوا وَإِن أَحبُّوا عفوا وَإِن أَحبُّوا أخذُوا الدِّيَة لِأَنَّهُ قَتله لغَرَض خَاص وَأما المحاربون فَإِنَّمَا يقتلُون