دقائق التفسير — ابن تيمية
وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبًۭا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿٨٧﴾
سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام
ابْن تَيْمِية قدس الله روحه عَن قَول النَّبِي ﷺ دَعْوَة أخي ذِي النُّون
مَا دَعَا بهَا مكروب إِلَّا فرج الله كربته مَا معنى هَذِه الدعْوَة وَلم كَانَت كاشفة للكرب وَهل لَهَا شُرُوط باطنة عِنْد النُّطْق بلفظها وَكَيف مُطَابقَة اعْتِقَاد الْقلب لمعناها حَتَّى يُوجب كشف ضره وَمَا مُنَاسبَة ذكره
مَعَ أَن التَّوْحِيد يُوجب كشف الضّر وَهل يَكْفِيهِ اعترافه أم لَا بُد من التَّوْبَة والعزم فِي الْمُسْتَقْبل وَمَا هُوَ السِّرّ فِي أَن كشف الضّر وزواله يكون عِنْد انْقِطَاع الرَّجَاء عَن الْخلق والتعلق بهم وَمَا الْحِيلَة فِي انصراف الْقلب عَن الرَّجَاء للمخلوقين والتعلق بهم بِالْكُلِّيَّةِ وتعلقه بِاللَّه تَعَالَى ورجائه وانصرافه إِلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَمَا السَّبَب الْمعِين على ذَلِك
فَأجَاب الْحَمد لله رب الْعَالمين
لفظ الدُّعَاء والدعوة فِي الْقُرْآن يتَنَاوَل مَعْنيين
دُعَاء الْعِبَادَة
وَدُعَاء الْمَسْأَلَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر فَتكون من الْمُعَذَّبين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا برهَان لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حسابه عِنْد ربه إِنَّه لَا يفلح الْكَافِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ وَقَالَ
اعْتِرَاف بالذنب وَهُوَ يتَضَمَّن طلب الْمَغْفِرَة فَإِن الطَّالِب السَّائِل تَارَة يسْأَل بِصِيغَة الطّلب وَتارَة يسْأَل بِصِيغَة الْخَبَر إِمَّا يُوصف حَاله وَإِمَّا بِوَصْف حَال المسؤول وَإِمَّا بِوَصْف الْحَالين كَقَوْل نوح ﵇
فِيهِ اعْتِرَاف بِحَقِيقَة حَاله وَلَيْسَ لأحد من الْعباد أَن يبرىء نَفسه عَن هَذَا الْوَصْف لَا سِيمَا فِي مقَام مناجاته لرَبه وَقد ثَبت فِي الصِّحَاح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يَنْبَغِي لعبد أَن يَقُول أَنا خير من يُونُس بن مَتى وَقَالَ من قَالَ أَنا خير من يُونُس بن مَتى فقد كذب فَمن ظن أَنه خير من يُونُس بِحَيْثُ يعلم أَنه لَيْسَ
عَلَيْهِ أَن يعْتَرف بظُلْم نَفسه فَهُوَ كَاذِب وَلِهَذَا كَانَ سَادَات الْخَلَائق لَا يفضلون أنفسهم على يُونُس فِي هَذَا الْمقَام بل يَقُولُونَ كَمَا قَالَ أبوهم آدم وخاتمهم مُحَمَّد ﷺ
فصل
فِي بطلَان الِاحْتِجَاج بقوله تَعَالَى
وَقَوله ﴿أم من يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأَرْض﴾ وَقَوله تَعَالَى عَن زَكَرِيَّا ﴿رب لَا تذرني فَردا وَأَنت خير الْوَارِثين فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وأصلحنا لَهُ زوجه﴾ وَقَالَ تَعَالَى