دقائق التفسير — ابن تيمية
إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴿١٠١﴾
سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام حَسَنَة الْأَيَّام أحد الْمُجْتَهدين قامع المبتدعين تَقِيّ الدّين أَحْمد بن عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية الْحَرَّانِي ثمَّ الدِّمَشْقِي ﵁ عَن قوم يحتجون بِالْقدرِ وَيَقُولُونَ قد قضي الْأَمر من الذَّر فالسعيد سعيد والشقي شقي من الذَّر ويحتجون بقوله تَعَالَى
وَيَقُولُونَ مَا لنا فِي جَمِيع الْأَفْعَال قدرَة وَإِنَّمَا الْقُدْرَة لله تَعَالَى قدر الْخَيْر وَالشَّر وَكتبه علينا وَالْمرَاد بَيَان خطأ هَؤُلَاءِ بالأدلة القاطعة وَيَقُولُونَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة ويحتجون بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ قَوْله ﷺ وَإِن زنا وَإِن سرق وَبِغير ذَلِك فَمَا الْجَواب عَن هَذَا جَمِيعه أفتونا مَأْجُورِينَ
فَأجَاب نفعنا الله بِعُلُومِهِ الْحَمد لله رب الْعَالمين هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِذا صَبَرُوا على هَذَا الِاعْتِقَاد كَانُوا أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِن النَّصَارَى وَالْيَهُود يُؤمنُونَ بِالْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب لَكِن حرفوا وبدلوا وآمنوا بِبَعْض وَكَفرُوا بِبَعْض كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يكفرون بِاللَّه وَرُسُله ويريدون أَن يفرقُوا بَين الله وَرُسُله وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا وأعتدنا للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرقُوا بَين أحد مِنْهُم أُولَئِكَ سَوف يُؤْتِيهم أُجُورهم وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ فَإِذا كَانَ من آمن بِبَعْض وَكفر بِبَعْض فَهُوَ كَافِر حَقًا فَكيف بِمن كفر بِالْجَمِيعِ وَمن لم يقر بِأَمْر الله وَنَهْيه ووعده ووعيده بل ترك ذَلِك محتجا بِالْقدرِ فَهُوَ أكفر مِمَّن آمن بِبَعْض وَكفر بِبَعْض وَقَول هَؤُلَاءِ يظْهر بُطْلَانه من وُجُوه
أَحدهَا أَن الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ إِمَّا أَن يرى الْقدر حجَّة للْعَبد وَإِمَّا أَن لَا يرَاهُ حجَّة للْعَبد فَإِن كَانَ الْقدر حجَّة للْعَبد فَهُوَ حجَّة لجَمِيع النَّاس فَإِنَّهُم كلهم مشتركون فِي الْقدر
وَحِينَئِذٍ يلْزمه أَن لَا يُنكر على من يَظْلمه ويشتمه وَيَأْخُذ مَاله وَيفْسد حريمه وَيضْرب عُنُقه وَيهْلك الْحَرْث والنسل وَهَؤُلَاء جَمِيعهم كذابون متناقضون فَإِن أحدهم لَا يزَال يذم هَذَا وَيبغض هَذَا وَيُخَالف هَذَا حَتَّى إِن الَّذِي يُنكر عَلَيْهِم يبغضونه ويعادونه وَيُنْكِرُونَ عَلَيْهِ فَإِذا كَانَ الْقدر حجَّة لمن فعل الْمُحرمَات وَترك الْوَاجِبَات لَزِمَهُم أَن لَا يذموا أحدا وَلَا يبغضوا أحدا وَلَا يَقُولُونَ عَن أحد أَنه ظَالِم وَلَو فعل مَا فعل وَمَعْلُوم أَن هَذَا لَا يُمكن أحدا فعله وَلَو فعل النَّاس هَذَا لهلك الْعَالم فَتبين أَن قَوْلهم فَاسد فِي الْعقل كَمَا أَنه كفر فِي الشَّرْع وَأَنَّهُمْ كذابون مفترون فِي قَوْلهم إِن الْقدر حجَّة للْعَبد
الْوَجْه الثَّانِي أَن هَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون إِبْلِيس وَفرْعَوْن وَقوم نوح وَقوم هود وكل من أهلكه الله بذنوبه معذورين وَهَذَا من الْكفْر الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ أَرْبَاب الْملَل
الْوَجْه الثَّالِث أَن هَذَا يلْزم مِنْهُ أَن لَا يفرق بَين أَوْلِيَاء الله وأعداء الله وَلَا بَين الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار وَلَا أهل الْجنَّة وَأهل النَّار وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير وَلَا الظُّلُمَات وَلَا النُّور وَلَا الظل وَلَا الحرور وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون﴾ وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ جَمِيعهم سبقت لَهُم من الله تَعَالَى السوابق وَكتب الله تَعَالَى مقاديرهم قبل أَن يخلقهم وهم مَعَ هَذَا قد انقسموا إِلَى سعيد بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وَإِلَى شقي بالْكفْر والفسوق والعصيان فَعلم بذلك أَن الْقَضَاء وَالْقدر لَيْسَ بِحجَّة لأحد على معاصي الله تَعَالَى
الْوَجْه الرَّابِع أَن الْقدر نؤمن بِهِ وَلَا نحتج بِهِ فَمن احْتج بِالْقدرِ فحجته داحضة وَمن اعتذر بِالْقدرِ فعذره غير مَقْبُول وَلَو كَانَ الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ مَقْبُولًا لقبل من إِبْلِيس وَغَيره من العصاة وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة للعباد لم يعذب الله أحدا من الْخلق لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لم يقطع سَارِق وَلَا قتل قَاتل وَلَا أقيم حد على ذِي جريمة وَلَا جوهد فِي سَبِيل الله وَلَا أَمر بِمَعْرُوف وَلَا نهي عَن مُنكر
الْوَجْه الْخَامِس أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب مَقْعَده من النَّار ومقعده من الْجنَّة فَقيل يَا رَسُول الله أَفلا نَدع الْعَمَل ونتكل على
الْكتاب فَقَالَ لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَفِي حَدِيث آخر فِي الصَّحِيح أَنه قيل لَهُ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت مَا يعْمل النَّاس فِيهِ ويكدحون أفيما جَفتْ بِهِ الأقلام وطويت بِهِ الصُّحُف فَقيل فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ
الْوَجْه السَّادِس أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى علم الْأُمُور وكتبها على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ قد كتب أَن فلَانا يُؤمن وَيعْمل صَالحا فَيدْخل الْجنَّة وَفُلَانًا يفسق ويعصي فَيدْخل النَّار كَمَا علم وَكتب أَن فلَانا يتَزَوَّج امْرَأَة ويطؤها فيأتيه ولد وَأَن فلَانا يَأْكُل وَيشْرب فيشبع ويروى وَأَن فلَانا يبذر الْبذر فينبت الزَّرْع فَمن قَالَ إِن كنت من أهل الْجنَّة فَأَنا أدخلها بِلَا عمل صَالح كَانَ قَوْله قولا بَاطِلا متناقضا لما علمه الله وَقدره وَمِثَال من يَقُول أَنا لَا أَطَأ امْرَأَة فَإِن كَانَ الله قضى لي بِولد فَهُوَ يُولد فَهَذَا جَاهِل فَإِن الله تَعَالَى إِذا قضى بِالْوَلَدِ قضى أَن أَبَاهُ يطَأ امْرَأَة فتحبل وتلد فَأَما الْوَلَد بِلَا حَبل وَلَا وَطْء فَإِن الله لم يقدره وَلم يَكْتُبهُ كَذَلِك الْجنَّة إِنَّمَا أعدهَا الله تَعَالَى للْمُؤْمِنين فَمن ظن أَنه يدْخل الْجنَّة بِلَا إِيمَان كَانَ ظَنّه بَاطِلا وَإِذا اعْتقد أَن الْأَعْمَال الَّتِي أَمر الله بهَا لَا يحْتَاج إِلَيْهَا وَلَا فرق بَين أَن يعملها أَو لَا يعملها كَانَ كَافِرًا وَالله قد حرم الْجنَّة إِلَّا على أَصْحَابهَا
فصل وَأما قَوْله تَعَالَى
الْآيَة فَمن سبقت لَهُ من الله الْحسنى فَلَا بُد أَن يصير مُؤمنا تقيا فَمن لم يكن من الْمُؤمنِينَ لم تسبق لَهُ من الله الْحسنى لَكِن الله إِذا سبقت للْعَبد مِنْهُ سَابِقَة اسْتَعْملهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي يصل بِهِ إِلَى تِلْكَ السَّابِقَة كمن سبق لَهُ من الله تَعَالَى أَن يُولد لَهُ ولد فَلَا بُد أَن يطَأ امْرَأَة يحبلها فَإِن الله ﷾ قدر الْأَسْبَاب والمسببات فَسبق مِنْهُ هَذَا وَهَذَا فَمن ظن أَن أحدا سبق لَهُ من الله الْحسنى بِلَا سَبَب فقد ضل بل هُوَ سُبْحَانَهُ ميسر الْأَسْبَاب والمسببات وَهُوَ قد قدر فِيمَا مضى هَذَا وَهَذَا
فصل وَمن قَالَ أَن آدم ﵊ مَا عصى فَهُوَ مكذب لِلْقُرْآنِ يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَعصى آدم ربه فغوى ثمَّ اجتباه ربه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهدى﴾ وَالْمَعْصِيَة هِيَ مُخَالفَة الْأَمر الشَّرْعِيّ فَمن خَالف أَمر الله الَّذِي أرسل فِيهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه فقد عَصَاهُ وَإِن كَانَ دَاخِلا فِيمَا قدره الله وقضاه وَهَؤُلَاء ظنُّوا أَن الْمعْصِيَة هِيَ الْخُرُوج عَن قدر الله فَإِن لم تكن الْمعْصِيَة إِلَّا هَذَا فَلَا يكون إِبْلِيس وَفرْعَوْن وَقوم نوح وَقوم عَاد وَثَمُود وَجَمِيع الْكفَّار عصاة أَيْضا لأَنهم داخلون فِي قدر الله تَعَالَى ثمَّ قَائِل هَذَا يضْرب ويهان فَإِذا تظلم مِمَّن فعل ذَلِك بِهِ قيل لَهُ هَذَا الَّذِي فعل هَذَا لَيْسَ هُوَ بعاص لله
تَعَالَى فَإِنَّهُ دَاخل فِي قدر الله ﷿ كَسَائِر الْخلق وَقَائِل هَذَا القَوْل متناقض لَا يثبت على حَال
فصل وَأما قَول الْقَائِل مَا لنا فِي جَمِيع أفعالنا قدرَة فقد كذب فَإِن الله تَعَالَى فرق بَين المستطيع الْقَادِر وَغير المستطيع وَقَالَ