×
التينالآية ٧

دقائق التفسير — ابن تيمية

فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ ﴿٧﴾

التِّين ٩٥ ٧ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ارتباط هَذَا بِمَا قبله لذكره بِحرف الْفَاء وَلَو كَانَ الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ رده إِلَى الْهَرم دون مَا بعد الْمَوْت لم يكن هُنَاكَ تعرض الدّين وَالْجَزَاء بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْمَذْكُور أَنه بعد الْمَوْت يرد إِلَى أَسْفَل سافلين غير الْمُؤمن المصلح فَإِن هَذَا يتَضَمَّن الْخَبَر بِأَن الله يدين الْعباد بعد الْمَوْت فيكرم الْمُؤمنِينَ ويهيمن الْكَافرين وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أقسم على ذَلِك بأقسام عَظِيمَة بِالتِّينِ وَالزَّيْتُون وطور سِنِين وَهَذَا الْبَلَد الْأمين وَهِي الْمَوَاضِع الَّتِي جَاءَ مِنْهَا مُحَمَّد والمسيح ومُوسَى وَأرْسل الله بهَا هَؤُلَاءِ الرُّسُل مبشرين ومنذرين وَهَذَا الاقسام لَا يكون على مُجَرّد الْهَرم الَّذِي يعرفهُ كل وَاحِد بل على الْأُمُور الغائبة الَّتِي تؤكد بالأقسام فان اقسام الله وَهُوَ على أنباء الْغَيْب وَفِي نفس الْمقسم بِهِ وَهُوَ ارسال هَؤُلَاءِ الرُّسُل تَحْقِيق للمقسم عَلَيْهِ وَهُوَ الثَّوَاب وَالْعِقَاب بعد الْمَوْت لِأَن الرُّسُل أخبروا ب وَهُوَ يتَضَمَّن أَيْضا الْجَزَاء فِي الدُّنْيَا كاهلاك من أهلكهم من الْكفَّار فانه ردهم إِلَى أَسْفَل سافلين بهلاكهم فِي الدُّنْيَا وَهُوَ تَنْبِيه على زَوَال النعم إِذا حصلت الْمعاصِي كمن رد فِي الدُّنْيَا إِلَى أَسْفَل جَزَاء على ذنُوبه وَقَوله أَي بالجزاء يتَنَاوَل جزاءه على الْأَعْمَال فِي الدُّنْيَا والرزخ وَالْآخِرَة إِذا كَانَ قد أقسم بأماكن هَؤُلَاءِ الْمُرْسلين الَّذين أرْسلُوا بِالْآيَاتِ الْبَينَات الدَّالَّة على أَمر الله وَنَهْيه ووعده ووعيده مبشرين لأهل الايمان منذرين لأهل الْكفْر وَقد أقسم بذلك على أَن الانسان بعد أَن جعل فِي أحسن تَقْوِيم ان آمن وَعمل صَالحا كَانَ لَهُ أجر غير ممنون والا كَانَ فِي أَسْفَل سافلين فتضمن السُّورَة بَيَان مَا بعث بِهِ هَؤُلَاءِ الرُّسُل الَّذين أقسم بأماكنهم والاقسام بمواضع محنهم تَعْظِيم لَهُم فَإِن مَوضِع الانسان إِذا عظم لأَجله كَانَ هُوَ أَحَق التَّعْظِيم وَلِهَذَا يُقَال فِي الكاتبات إِلَى الْمجْلس وَالْمقر وَنَحْو ذَلِك السَّامِي والعالي وَيذكر بخضوع لَهُ وتعظيم وَالْمرَاد صَاحبه فَلَمَّا قَالَ دلّ على أَن مَا تقدم قد بَين فِيهِ مَا يمْنَع التَّكْذِيب بِالدّينِ وَفِي قَوْله ﴿يكذبك﴾ قَولَانِ قيل هُوَ خطاب للْإنْسَان كَمَا قَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَمُقَاتِل وَلم يذكر الْبَغَوِيّ غَيره قَالَ عِكْرِمَة يَقُول فَمَا يكذبك بعد بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي فعلت بك وَعَن مقَاتل فَمَا الَّذِي يجعلك مُكَذبا بالجزاء وَزعم أَنَّهَا نزلت فِي عَيَّاش بن أبي ربيعَة وَالثَّانِي أَنه خطاب للرسول وَهَذَا أظهر فَإِن الانسان إِنَّمَا ذكر مخبرا عَنهُ لم يُخَاطب وَالرَّسُول هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن وَالْخطاب فِي هَذِه السُّور لَهُ كَقَوْلِه أَي يجعلك كَاذِبًا هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من لُغَة الْعَرَب فَإِن اسْتِعْمَال كذب غَيره أَي نسبه إِلَى الْكَذِب وَجعله كَاذِبًا مَشْهُور وَالْقُرْآن مَمْلُوء من هَذَا وَحَيْثُ ذكر الله تَكْذِيب المكذبين للرسل أَو التَّكْذِيب بِالْحَقِّ وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا مُرَاده لَكِن هَذِه الْآيَة فِيهَا غموض من جِهَة كَونه قَالَ فَذكر المكذب بِالدّينِ فَذكر المكذب والمكذب بِهِ جَمِيعًا وَهَذَا قَلِيل جَاءَ نَظِيره فِي قَوْله أَي استيقن فقد جَاءَك الْبَيَان من الله وَهَكَذَا رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي حَاتِم باسناد ثَابت وَكَذَلِكَ ذكره الْمَهْدَوِيّ أَي استيقن مَعَ مَا جَاءَك من الله أَنه أحكم الْحَاكِمين فالخطاب للنَّبِي ﷺ وَقَالَ مَعْنَاهُ عَن قَتَادَة قَالَ وَقيل الْمَعْنى فَمَا يكذبك أَيهَا الشاك يَعْنِي الْكفَّار فِي قدرَة الله أَي شَيْء يحملك على ذَلِك بعد مَا تبين لَك من قدرته قَالَ وَقَالَ الْفراء فَمن يكذبك بالثواب وَالْعِقَاب وَهُوَ اخْتِيَار الطَّبَرِيّ (قلت) هَذَا القَوْل الْمَنْقُول عَن قَتَادَة هُوَ الَّذِي أوجب نفور مُجَاهِد عَن أَن يكون الْخطاب للنَّبِي ﷺ كَمَا روى النَّاس وَمِنْهُم ابْن أبي حَاتِم عَن الثَّوْريّ عَن مَنْصُور قَالَ قلت لمجاهد عَنى بِهِ النَّبِي ﷺ قَالَ معَاذ الله عني بِهِ الانسان وَقد أحسن مُجَاهِد فِي تَنْزِيه النَّبِي ﷺ أَن يُقَال لَهُ ﴿فَمَا يكذبك﴾ أَي استيقن وَلَا تكذب فَإِنَّهُ لَو قيل لَهُ لَا تكذب لَكَانَ هَذَا من جنس أمره بالايمان وَالتَّقوى وَنَهْيه عَمَّا نهى الله عَنهُ وَأما إِذا قيل فَهُوَ لم يكذب بِالدّينِ بل هُوَ الَّذِي أخبر بِالدّينِ وَصدق بِهِ لَهو فَهَذَا القَوْل فَاسد لفظا وَمعنى وَاللَّفْظ الَّذِي رَأَيْته مقولا بالاسناد عَن قَتَادَة لَيْسَ صَرِيحًا فِيهِ بل يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بِهِ خطاب الانسان فَإِنَّهُ قَالَ قَالَ استيقن فقد جَاءَك الْبَيَان وكل انسان مُخَاطب بِهَذَا فَإِن كَانَ قَتَادَة أَرَادَ هَذَا فَالْمَعْنى صَحِيح لَكِن هم حكوا عَنهُ أَن هَذَا خطاب للرسول ﷺ وعَلى هَذَا فَهَذَا الْمَعْنى بَاطِل فَلَا يُقَال للرسول فَأَي شَيْء يجعلك مُكَذبا بِالدّينِ وان ارتأت بِهِ النَّفس لِأَن هَذَا فِيهِ دَلَائِل تدل على فَسَاده وَلِهَذَا استعاذ مِنْهُ مُجَاهِد وَالصَّوَاب مَا قَالَه الْفراء والأخفش وَغَيرهمَا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد ابْن جرير الطَّبَرِيّ وَغَيره من الْعلمَاء كَمَا تقدم وَكَذَلِكَ ذكره أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ عَن الْفراء فَقَالَ انه خطاب للنَّبِي ﷺ وَالْمعْنَى فَمن يقدر على تكذيبك بالثواب وَالْعِقَاب بعد مَا تبين لَهُ أَنا خلقنَا الانسان على مَا وَصفنَا قَالَه الْفراء قَالَ وَأما الدّين فَهُوَ الْجَزَاء (قلت) وَكَذَلِكَ قل غير وَاحِد كَمَا روى ابْن أبي حَاتِم عَن النَّضر بن عَرَبِيّ أَي بِالْحِسَابِ وَمن تَفْسِير الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَي بِحكم الله قلت قَالَ بِحكم الله لقَوْله ذكر فِيهِ الرَّسُول المكذب وَالدّين المكذب بِهِ جَمِيعًا فَإِن السُّورَة تَضَمَّنت الْأَمريْنِ تَضَمَّنت الاقسام بأماكن الرُّسُل المبينة لعظمتهم وَمَا أَتَوا بِهِ من الْآيَات الدَّالَّة على دقهم الْمُوجبَة للايمان وهم قد أخبروا بالمعاد الْمَذْكُور فِي هَذِه السُّورَة وَقد أقسم الله عَلَيْهِ كَمَا يقسم عَلَيْهِ فِي غير مَوضِع وكما أَمر نبيه أَن يقسم عَلَيْهِ فِي مثل قَوْله وَالله سُبْحَانَهُ أعلم وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا ذَنْب لَهُ فِي ذَلِك وَالْقُرْآن مُرَاده أَن يبين أَن هَذَا الرَّد جَزَاء على ذنُوبه وَلِهَذَا قَالَ ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ كَمَا قَالَ