دقائق التفسير — ابن تيمية
لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ لَكِن الله سُبْحَانَهُ خالقه وخالق كل مَا فِيهِ من قدرَة ومشيئة وَعمل فَإِنَّهُ لَا رب غَيره وَلَا إِلَه سواهُ وَهُوَ خَالق كل شَيْء وربه ومليكه
فصل وَأما قَول الْقَائِل الزِّنَا من الْمعاصِي مَكْتُوب فَهُوَ كَلَام صَحِيح لَكِن هَذَا لَا يَنْفَعهُ الِاحْتِجَاج بِهِ فَإِن الله تَعَالَى كتب أَفعَال الْعباد خَيرهَا وشرها وَكتب مَا يصيرون إِلَيْهِ من السَّعَادَة والشقاوة وَجعل الْأَعْمَال سَببا للثَّواب وَالْعِقَاب وَكتب ذَلِك كَمَا كتب الْأَمْرَاض وَجعلهَا سَببا للثَّواب وَالْعِقَاب وَكتب ذَلِك كَمَا كتب الْأَمْرَاض وَجعلهَا سَببا للمرض وَالْمَوْت فَمن أكل السم فَإِنَّهُ يمرض أَو يَمُوت وَالله تَعَالَى قدر وَكتب هَذَا وَهَذَا كَذَلِك من فعل مَا نهي عَنهُ من الْكفْر والفسوق والعصيان فَإِنَّهُ فعل مَا كتب عَلَيْهِ وَهُوَ مُسْتَحقّ لما كتبه الله من الْجَزَاء لمن عمل ذَلِك وَحجَّة هَؤُلَاءِ بِالْقدرِ على الْمعاصِي من جنس حجَّة الْمُشْركين الَّذين قَالَ الله تَعَالَى عَنْهُم
سُورَة التكوير ٢٨ ٢٩ وَمَعَ هَذَا فَلَا يَقع الْفِعْل مِنْهُم حَتَّى يُرِيد من نَفسه اعانتهم وتوفيقهم
فَهُنَا أَربع ارادات ارادة الْبَيَان وارادة الْمَشِيئَة وارادة الْفِعْل وارادة الاعانة وَالله أعلم
آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا
فصل
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ لَا يدل على أَن العَبْد لَيْسَ بفاعل لفعله الِاخْتِيَارِيّ وَلَا أَنه لَيْسَ بِقَادِر عَلَيْهِ وَلَا أَنه لَيْسَ بمريد بل يدل على أَنه لَا يشاؤه الا من يَشَاء الله وَهَذِه الْآيَة رد على الطَّائِفَتَيْنِ الْمُجبرَة والجهمية والمعتزلة الْقَدَرِيَّة فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ
فَاثْبتْ للْعَبد مَشِيئَة وفعلا ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ فَبين ان مَشِيئَة معلقه بِمَشِيئَة الله وَالْأولَى رد على الجبرية وَهَذِه رد على الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ قد يَشَاء العَبْد مَا لَا يشاؤه الله كَمَا يَقُولُونَ ان الله يَشَاء مَا لَا يشاؤون
وَإِذا قَالُوا المُرَاد بِالْمَشِيئَةِ هُنَا الْأَمر على أصلهم وَالْمعْنَى وَمَا يشاؤون فعل مَا أَمر الله بِهِ ان لم يَأْمر الله بِهِ قيل سِيَاق الْآيَة يبين انه لَيْسَ المُرَاد هَذَا بل المُرَاد وَمَا تشاؤون بعد ان امرتم بِالْفِعْلِ ان تفعلوه الا أَن يَشَاء الله فَإِنَّهُ تَعَالَى ذكر الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَقَوله ﴿وَمَا تشاؤون﴾ نفي لمشيئتهم فِي الْمُسْتَقْبل وَكَذَلِكَ قَوْله الا ان يَشَاء الله تَعْلِيق لَهَا بِمَشِيئَة الرب فِي الْمُسْتَقْبل فَإِن حرف (أَن) تخلص الْفِعْل الْمُضَارع للاستقبال فَالْمَعْنى الا أَن يَشَاء بعد ذَلِك والامر مُتَقَدم على ذَلِك وَهَذَا كَقَوْل الانسان لَا افْعَل هَذَا الا ان يَشَاء الله
وَقد اتّفق السّلف وَالْفُقَهَاء على أَن من حلف فَقَالَ لأصلين غَدا ان شَاءَ الله أَو لأقضين ديني غَدا إِن شَاءَ الله وَمضى الْغَد وَلم يقضه أَنه لَا يَحْنَث وَلَو كَانَت الْمَشِيئَة هِيَ الْأَمر لحنث لِأَن الله أمره بذلك وَهَذَا مِمَّا احْتج بِهِ على الْقَدَرِيَّة وَلَيْسَ لَهُم عَنهُ جَوَاب وَلِهَذَا خرق بَعضهم الاجماع الْقَدِيم وَقَالَ انه يَحْنَث
و(ايضا) فَقَوله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ سيق لبَيَان مدح الرب وَالثنَاء عَلَيْهِ بِبَيَان قدرته وَبَيَان حَاجَة الْعباد إِلَيْهِ وَلَو كَانَ المُرَاد لَا يَفْعَلُونَ الا أَن يَأْمُركُمْ لَكَانَ كل امْر بِهَذِهِ المثابة فَلم يكن ذَلِك من خَصَائِص الرب الَّتِي يمدح بهَا وان اريد انهم لَا يَفْعَلُونَ الا بأَمْره كَانَ هَذَا مدحا لَهُم لَا لَهُ
(٢٢) فصل فِي قَوْله النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح بَدَأَ الاسلام غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا كَمَا بَدَأَ فطوبى للغرباء
لَا يَقْتَضِي هَذَا أَنه إِذا صَار غَرِيبا يجوز تَركه وَالْعِيَاذ بِاللَّه بل الْأَمر كَمَا قَالَ تَعَالَى