دقائق التفسير — ابن تيمية
أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ﴿٥٠﴾
قَالَ أَبُو دَاوُد قُرَيْظَة وَالنضير من ولد هَارُون
وَبسط هَذَا لَهُ مَوضِع آخر وعَلى كل قَول فقد أخبر الله ﷿ أَن فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة بعد الْمَسِيح ﵇ حكم الله وَأَن أهل الْكتاب الْيَهُود تركُوا حكم الله الَّذِي فِي التَّوْرَاة مَعَ كفرهم بالمسيح وَهَذَا ذمّ من الله لَهُم على مَا تَرَكُوهُ من حكمه الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكتاب الأول وَلم ينسخه الرَّسُول الثَّانِي
وَهَذَا من التبديل الثَّانِي الَّذِي ذموا عَلَيْهِ وَدلّ على أَن فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة بعد مبعث الْمَسِيح حكما أنزلهُ الله أمروا أَن يحكموا بِهِ وَهَكَذَا يُمكن أَن يُقَال فِي الْإِنْجِيل وَمَعْلُوم أَن
الحكم الَّذِي أمروا أَن يحكموا بِهِ من أَحْكَام التَّوْرَاة لم ينسخه الْإِنْجِيل وَلَا الْقُرْآن فَكَذَلِك مَا أمروا أَن يحكموا بِهِ من أَحْكَام الْإِنْجِيل هُوَ مِمَّا لم ينسخه الْقُرْآن وَذَلِكَ أَن الدّين الْجَامِع أَن يعبد الله وَحده وَيَأْمُر بِمَا أَمر الله بِهِ وَيحكم بِمَا أنزلهُ الله فِي أَي كتاب أنزلهُ وَلم ينسخه فَإِنَّهُ يحكم بِهِ
وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَب جَمَاهِير السّلف وَالْأَئِمَّة أَن شرع من قبلنَا شرع لنا مَا لم يرد شرعنا بِخِلَافِهِ وَمن حكم بِالشَّرْعِ الْمَنْسُوخ فَلم يحكم بِمَا أنزل الله كَمَا أَن الله أَمر أمة مُحَمَّد ﷺ أَن يحكموا بِمَا أنزل الله فِي الْقُرْآن وَفِيه النَّاسِخ والمنسوخ فَهَكَذَا القَوْل فِي جنس الْكتب الْمنزلَة
قَالَ تَعَالَى سُورَة الْمَائِدَة الْآيَات ٤٨ ٥٦
فقد أَمر نبيه مُحَمَّدًا ﷺ أَن يحكم بِمَا أنزل الله إِلَيْهِ وحذره اتِّبَاع أهوائهم وَبَين أَن الْمُخَالف لحكمه وَهُوَ حكم الْجَاهِلِيَّة حَيْثُ قَالَ تَعَالَى
وَأخْبرهُ تَعَالَى أَنه جعل لكل من أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن شرعة ومنهاجا وَأمره تَعَالَى بالحكم بِمَا أنزل الله أَمر عَام لأهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن لَيْسَ لأحد فِي وَقت من الْأَوْقَات أَن يحكم بِغَيْر مَا أنزل الله وَالَّذِي أنزلهُ الله هُوَ دين وَاحِد اتّفقت عَلَيْهِ الْكتب وَالرسل وهم متفقون فِي أصُول الدّين وقواعد الشَّرِيعَة وَإِن تنوعوا فِي الشرعة والمنهاج بَين نَاسخ ومنسوخ فَهُوَ شَبيه بتنوع حَال الْكتاب فَإِن الْمُسلمين كَانُوا أَولا مأمورين بِالصَّلَاةِ لبيت الْمُقَدّس ثمَّ أمروا أَن يصلوا إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي كلا الْأَمريْنِ إِنَّمَا اتبعُوا مَا أنزل الله ﷿
وَكَذَلِكَ مُوسَى ﵇ كَانَ مَأْمُورا بالسبت محرما عَلَيْهِ مَا حرمه الله فِي التَّوْرَاة وَهُوَ مُتبع مَا أنزلهُ الله ﷿ والمسيح ﷺ أحل بعض مَا حرمه الله فِي التَّوْرَاة وَهُوَ مُتبع مَا أنزل الله ﷿ فَلَيْسَ فِي أَمر الله لأهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل أَن يحكموا بِمَا أنزل الله أَمر بِمَا نسخ كَمَا أَنه لَيْسَ فِي أَمر أهل الْقُرْآن أَن يحكموا بِمَا أنزل الله أَمر بِمَا نسخ بل كَانَ إِذا نَاسخ ومنسوخ فَالَّذِي أنزل الله هُوَ الحكم بالناسخ دون الْمَنْسُوخ فَمن حكم بالمنسوخ فقد حكم بِغَيْر مَا أنزل الله وَمِمَّا يُوضح هَذَا قَوْله تَعَالَى