دقائق التفسير — ابن تيمية
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿١١٠﴾
فَيُقَال هَذَا مِمَّا لَا ريب فِيهِ وَلَا حجَّة لكم فِيهِ بل هُوَ حجَّة عَلَيْكُم فَإِن الله أيد الْمَسِيح ﵇ بِروح الْقُدس كَمَا ذكر ذَلِك فِي هَذِه الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى فِي الْبَقَرَة
سُورَة الْمَائِدَة ١١٠
فَأَشَارَ بالخالق إِلَى كلمة الله المتحدة فِي الناسوت الْمَأْخُوذَة من مَرْيَم أَنه كَذَا قَالَ على لِسَان دَاوُد النَّبِي
بِكَلِمَة الله خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَيْسَ خَالق إِلَّا الله وكلمته وروحه
وَهَذَا مِمَّا يُوَافق رَأينَا واعتقادنا فِي السَّيِّد الْمَسِيح لذكره لِأَنَّهُ حَيْثُ قَالَ وتخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير فتنفخ فِيهِ فَيكون طيرا بِإِذن الله أَي بِإِذن اللاهوت الْكَلِمَة المتحدة فِي الناسوت
وَالْجَوَاب إِن جَمِيع مَا يحتجون بِهِ من هَذِه الْآيَات وَغَيرهَا فَهُوَ حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم وَهَكَذَا شَأْن جَمِيع أهل الضلال إِذا احْتَجُّوا بِشَيْء من كتب الله وَكَلَام أنبيائه كَانَ فِي نفس مَا احْتَجُّوا بِهِ مَا يدل على فَسَاد قَوْلهم وَذَلِكَ لِعَظَمَة كتب الله الْمنزلَة وَمَا نطق بِهِ أنبياؤه فَإِنَّهُ جعل ذَلِك هدى وبيانا لِلْخلقِ وشفاء لما فِي الصُّدُور فَلَا بُد أَن يكون فِي كَلَام الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه أَجْمَعِينَ من الْهدى وَالْبَيَان مَا يفرق الله بِهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل والصدق وَالْكذب لَكِن النَّاس يُؤْتونَ من قبل أنفسهم لَا من قبل أَنْبيَاء الله تَعَالَى
إِمَّا من كَونهم لم يتدبروا القَوْل الَّذِي قالته الْأَنْبِيَاء حق التدبر حَتَّى يفقهوه ويفهموه
وَإِمَّا من جِهَة أَخذهم بِبَعْض الْحق دون بعض مثل أَن يُؤمنُوا بِبَعْض مَا أنزل الله دون بعض فيضلون من جِهَة مَا لم يُؤمنُوا بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن النَّصَارَى
وَقَالَ الْمَسِيح عَن نَفسه
وَقَوله ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ وَقَوله ﴿وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة﴾ وَقَوله