دقائق التفسير — ابن تيمية
وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ فَرِحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴿٣٦﴾
سُورَة الرّوم ٣٦ فَأخْبر أَن مَا يُصِيب بِهِ النَّاس من الْخَيْر فَهُوَ رَحْمَة مِنْهُ أحسن بهَا إِلَى عباده وَمَا أَصَابَهُم بِهِ من الْعُقُوبَات فبذنوبهم وَتَمام الْكَلَام على هَذَا مَبْسُوط فِي مَوَاضِع آخر
وَكَذَلِكَ الْحِكْمَة أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الله تَعَالَى مَوْصُوف بالحكمة لَكِن تنازعوا فِي تَفْسِير ذَلِك
فَقَالَت طَائِفَة الْحِكْمَة ترجع إِلَى علمه بِأَفْعَال الْعباد وإيقاعها على الْوَجْه الَّذِي أَرَادَهُ
وَلم يثبتوا إِلَّا الْعلم والإرادة وَالْقُدْرَة
وَقَالَ الْجُمْهُور من أهل السّنة وَغَيرهم بل هُوَ حَكِيم فِي خلقه وَأمره وَالْحكمَة لَيست مُطلق الْمَشِيئَة إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ كل مُرِيد حكيما وَمَعْلُوم أَن الْإِرَادَة تَنْقَسِم إِلَى محمودة ومذمومة بل الْحِكْمَة تَتَضَمَّن مَا فِي خلقه وَأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة وَالْقَوْل بِإِثْبَات هَذِه الْحِكْمَة لَيْسَ هُوَ قَول الْمُعْتَزلَة وَمن وافقهم من الشِّيعَة فَقَط بل هُوَ قَول جَمَاهِير طوائف الْمُسلمين من أهل التَّفْسِير وَالْفِقْه والْحَدِيث والتصوف وَالْكَلَام وَغَيرهم فأئمة الْفُقَهَاء متفقون على إِثْبَات الْحِكْمَة والمصالح فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَإِنَّمَا يُنَازع فِي ذَلِك طَائِفَة من نفاة الْقيَاس وَغير نفاته وَكَذَلِكَ مَا فِي خلقه من الْمَنَافِع وَالْحكم والمصالح لِعِبَادِهِ مَعْلُوم
وَأَصْحَاب القَوْل الأول كجهم بن صَفْوَان وموافقيه كالأشعري وَمن وَافقه من الْفُقَهَاء من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم يَقُولُونَ لَيْسَ فِي الْقُرْآن لَام التَّعْلِيل فِي أَفعَال الله بل لَيْسَ فِيهِ إِلَّا لَام الْعَاقِبَة
وَأما الْجُمْهُور فَيَقُولُونَ بل لَام التَّعْلِيل دَاخِلَة فِي أَفعَال الله وَأَحْكَامه
وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَأَبُو الْحسن بن الزَّاغُونِيّ وَنَحْوهمَا من أَصْحَاب أَحْمد وَإِن كَانُوا قد يَقُولُونَ بِالْأولِ فهم يَقُولُونَ بِالثَّانِي أَيْضا فِي غير مَوضِع وَكَذَلِكَ أمثالهم من الْفُقَهَاء أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا
وَأما ابْن عقيل فِي بعض الْمَوَاضِع وَأَبُو خازم بن القَاضِي أبي يعلى وَأَبُو الْخطاب الصَّغِير فيصرحون بِالتَّعْلِيلِ وَالْحكمَة فِي أَفعَال الله مُوَافقَة لمن قَالَ ذَلِك من أهل النّظر
وَالْحَنَفِيَّة هم من أهل السّنة وقائلين بِالْقدرِ وجمهورهم يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ والمصالح
والكرامية وأمثالهم هم أَيْضا من الْقَائِلين بِالْقدرِ المثبتين لخلافة الْخُلَفَاء المفضلين لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وهم أَيْضا يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ وَالْحكمَة وَكثير من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ وَالْحكمَة وبالتحسين والتقبيح العقليين كَأبي بكر الْقفال وَأبي عَليّ بن أبي هُرَيْرَة وَغَيرهم من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأبي الْحسن التَّمِيمِي وَأبي الْخطاب من أَصْحَاب أَحْمد
وَفِي الْجُمْلَة النزاع فِي تَعْلِيل أَفعَال الله وَأَحْكَامه مَسْأَلَة لَا تتَعَلَّق بالأمانة أصلا وَأكْثر أهل السّنة على إِثْبَات الْحِكْمَة وَالتَّعْلِيل
وَلَكِن الَّذين أَنْكَرُوا ذَلِك من أهل السّنة احْتَجُّوا بحجتين
إِحْدَاهمَا أَن ذَلِك يسْتَلْزم التسلسل فَإِنَّهُ إِذا فعل لعِلَّة فَتلك الْعلَّة أَيْضا حَادِثَة فتفتقر إِلَى عِلّة إِن وَجب أَن يكون لكل حَادث عِلّة وَإِن عقل الإحداث بِلَا عِلّة لم يحْتَج إِلَى إِثْبَات عِلّة فهم يَقُولُونَ إِن أمكن الإحداث بِغَيْر عِلّة لم يحْتَج إِلَى عِلّة وَلم يكن ذَلِك عَبَثا وَإِن لم يكن وجود الإحداث إِلَّا لعِلَّة فَالْقَوْل فِي حُدُوث الْعلَّة كالقول فِي حُدُوث الْمَعْلُول وَذَلِكَ يسْتَلْزم التسلسل
الْحجَّة الثَّانِيَة أَنهم قَالُوا من فعل لعِلَّة كَانَ مستكملا بهَا لِأَنَّهُ لَو لم يكن حُصُول الْعلَّة أولى من عدمهَا لم تكن عِلّة والمستكمل بِغَيْرِهِ نَاقص بِنَفسِهِ وَذَلِكَ مُمْتَنع على الله
وأوردوا على الْمُعْتَزلَة وَمن وافقهم من الشِّيعَة حجَّة تقطعهم على أصولهم فَقَالُوا الْعلَّة الَّتِي فعل لأَجلهَا إِن كَانَ وجودهَا وَعدمهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاء امْتنع أَن تكون عِلّة وَإِن كَانَ وجودهَا أولى فَإِن كَانَت مُنْفَصِلَة عَنهُ لزم أَن يستكمل بِغَيْرِهِ وَإِن كَانَت قَائِمَة بِهِ لزم أَن يكون محلا للحوادث
وَأما المجوزون للتَّعْلِيل فهم متنازعون فالمعتزلة وأتباعهم من الشِّيعَة تثبت من التَّعْلِيل مَا لَا يعقل وَهُوَ أَنه فعل لعِلَّة مُنْفَصِلَة عَن الْفَاعِل مَعَ كَون وجودهَا وَعدمهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاء
وَأما أهل السّنة الْقَائِلُونَ بِالتَّعْلِيلِ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِن الله يحب ويرضى كَمَا دلّ على ذَلِك الْكتاب وَالسّنة وَيَقُولُونَ إِن الْمحبَّة وَالرِّضَا أخص من الْإِرَادَة وَأما الْمُعْتَزلَة وَأكْثر أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ فَيَقُولُونَ إِن الْمحبَّة وَالرِّضَا والإرادة سَوَاء فجمهور أهل السّنة يَقُولُونَ إِن الله لَا يحب الْكفْر والفسوق والعصيان وَلَا يرضاه وَإِن كَانَ دَاخِلا فِي مُرَاده كَمَا دخلت سَائِر الْمَخْلُوقَات لما فِي ذَلِك من الْحِكْمَة وَهُوَ وَإِن كَانَ شرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَاعِل فَلَيْسَ كل مَا كَانَ شرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شخص يكون عديم الْحِكْمَة بل لله فِي الْمَخْلُوقَات حكم قد يعلمهَا بعض النَّاس وَقد لَا يعلمهَا
فصل
قَالَ تَعَالَى