دقائق التفسير — ابن تيمية
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَٰمِ دِينًۭا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ﴿٨٥﴾
الْآيَة وَمرَاده أَن الله يبين أَنه لَا يقبل إِلَّا الْإِسْلَام من الْأَوَّلين والآخرين
وَكثير من السّلف يُرِيد بِلَفْظ النّسخ رفع مَا يظنّ أَن الْآيَة دَالَّة عَلَيْهِ فَإِن من الْمَعْلُوم ان من كذب رَسُولا وَاحِدًا فَهُوَ كَافِر فَلَا يتَنَاوَلهُ قَوْله ﴿من آمن بِاللَّه﴾ الخ
وَظن بعض النَّاس ان الْآيَة فِيمَن بعث إِلَيْهِم مُحَمَّدًا ﷺ خَاصَّة فغلطوا ثمَّ افْتَرَقُوا على أَقْوَال متناقضة
فصل قَالَ الشَّيْخ الْإِسْلَام
فَذكر سُبْحَانَهُ قصَّة مَرْيَم والمسيح فِي هَذِه السُّورَة المكية الَّتِي أنزلهَا فِي أول الْأَمر بِمَكَّة فِي
السُّور الَّتِي ذكر فِيهَا أصُول الدّين الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاء ثمَّ ذكرهَا فِي سُورَة آل عمرَان وَهِي من السُّور الْمَدِينَة الَّتِي يُخَاطب فِيهَا من اتبع الْأَنْبِيَاء من أهل الْكتاب والمؤمينن لما قدم عَلَيْهِ نَصَارَى نَجْرَان فَكَانَ فِيهَا الْخطاب لأهل الْكتاب فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض وَالله سميع عليم إِذْ قَالَت امْرَأَة عمرَان رب إِنِّي نذرت لَك مَا فِي بَطْني محررا فَتقبل مني إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم فَلَمَّا وَضَعتهَا قَالَت رب إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى وَالله أعلم بِمَا وضعت وَلَيْسَ الذّكر كالأنثى وَإِنِّي سميتها مَرْيَم وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا من مَوْلُود إِلَّا يمسهُ الشَّيْطَان فَيَسْتَهِل صَارِخًا من الشَّيْطَان إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة اقرأوا إِن شِئْتُم
يُرِيد بِحَسب مُقْتَضى الْعدْل قومه الَّذين آتَاهُم بلغتهم لَا غير مِمَّن لم يَأْتهمْ بِمَا جَاءَ بِهِ
فَيُقَال لَهُم من فسر مُرَاد مُتَكَلم أَي مُتَكَلم كَانَ بِمَا يعلم النَّاس أَنه خلاف مُرَاده فَهُوَ
كَاذِب مفتر عَلَيْهِ وَإِن كَانَ المكلم من آحَاد الْعَامَّة وَلَو كَانَ الْمُتَكَلّم من المتنبئين الْكَذَّابين فَإِن عرف كذبه إِذا تكلم بِكَلَام وَعرف مُرَاده بِهِ لم يجز أَن يكذب عَلَيْهِ فَيُقَال أَرَادَ كَذَا وَكَذَا فَإِن الْكَذِب حرَام قَبِيح على كل أحد سَوَاء كَانَ صَادِقا أَو كَاذِبًا فيكف بِمن يُفَسر مُرَاد الله وَرَسُوله بِمَا يعلم كل من خبر حَاله علما ضَرُورِيًّا أَنه لم يرد ذَلِك بل يعلم علما ضَرُورِيًّا أَنه أَرَادَ الْعُمُوم فَإِن قَوْله تَعَالَى
صِيغَة عَامَّة وَصِيغَة من الشّرطِيَّة من أبلغ صِيغ الْعُمُوم كَقَوْلِه تَعَالَى
قَالَت طَائِفَة من السّلف لما أنزل الله هَذِه الْآيَة قَالَ من قَالَ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحن مُسلمُونَ فَقَالَ تَعَالَى
آل عمرَان ٣ ٨٥ وَقَالَ تَعَالَى