دقائق التفسير — ابن تيمية
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿٣١﴾
وَعمر رَضِي لما نَادَى يَا سَارِيَة الْجَبَل قَالَ إِن لله جُنُودا يبلغون صوتي وجنود الله هم من الْمَلَائِكَة وَمن صالحي الْجِنّ فجنود الله بلغُوا صَوت عمر إِلَى سَارِيَة وَهُوَ أَنهم نادوه بِمثل صَوت عمر وَإِلَّا نفس صَوت عمر لَا يصل نَفسه فِي هَذِه الْمسَافَة الْبَعِيدَة وَهَذَا كَالرّجلِ يَدْعُو آخر وَهُوَ بعيد عَنهُ فَيَقُول يَا فلَان فيعان على ذَلِك فَيَقُول الْوَاسِطَة بَينهمَا يَا فلَان وَقد يَقُول لمن هُوَ بعيد عَنهُ يَا فلَان احْبِسْ المَاء تعال إِلَيْنَا وَهُوَ لَا يسمع صَوته فيناديه الْوَاسِطَة بِمثل ذَلِك يَا فلَان احْبِسْ المَاء أرسل المَاء إِمَّا بِمثل صَوت الأول إِن كَانَ لَا يقبل إِلَّا صَوته وَإِلَّا فَلَا يضر بِأَيّ صَوت كَانَ إِذا عرف أَن صَاحبه قد ناداه وَهَذَا حِكَايَة كَانَ عمر مرّة قد أرسل جَيْشًا فجَاء شخص وَأخْبر أهل الْمَدِينَة بانتصار الْجَيْش وشاع الْخَبَر فَقَالَ عمر من أَيْن لكم هَذَا قَالُوا شخص صفته كَيْت وَكَيْت فَأخْبرنَا فَقَالَ عمر ذَاك أَبُو الهيتم يُرِيد الْجِنّ وَسَيَجِيءُ بريد الْإِنْسَان بعد ذَلِك بأيام
وَقد يَأْمر الْملك بعض النَّاس بِأَمْر ويستكتمه إِيَّاه فَيخرج فَيرى النَّاس يتحدثون بِهِ فَإِن الْجِنّ تسمعه وتخبر بِهِ النَّاس وَالَّذين يستخدمون الْجِنّ فِي الْمُبَاحَات يشبه اسْتِخْدَام سُلَيْمَان لَكِن أعطي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد بعده وسخرت لَهُ الْإِنْس وَالْجِنّ وَهَذَا لم يحصل لغيره وَالنَّبِيّ ﷺ لما تفلت عَلَيْهِ العفريت ليقطع عَلَيْهِ صلَاته قَالَ فَأَخَذته فدعته حَتَّى سَالَ لعابه على يَدي وَأَرَدْت أَن أربطه إِلَى سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد ثمَّ ذكرت دَعْوَة أخي سُلَيْمَان فأرسلته فَلم يستخدم النَّبِي الْجِنّ أصلا لَكِن دعاهم إِلَى الْإِيمَان بِاللَّه وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآن وبلغهم الرسَالَة وبايعهم كَمَا فعل بالإنس وَالَّذِي أوتيه ﷺ أعظم مِمَّا أوتيه سُلَيْمَان فَإِنَّهُ اسْتعْمل الْجِنّ وَالْإِنْس فِي عبَادَة الله وَحده وسعادتهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَا لغَرَض يرجع إِلَيْهِ إِلَّا ابْتِغَاء وَجه الله وَطلب مرضاته وَاخْتَارَ أَن يكون عبدا رَسُولا على أَن يكون نَبيا ملكا فداود وَسليمَان ويوسف أَنْبيَاء مُلُوك وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد رسل
عبيد فَهُوَ أفضل كفضل السَّابِقين المقربين على الْأَبْرَار أَصْحَاب الْيَمين وَكثير مِمَّن يرى هَذِه الْعَجَائِب الخارقة يعْتَقد أَنَّهَا من كرامات الْأَوْلِيَاء وَكثير من أهل الْكَلَام وَالْعلم لم يعرفوا الْفرق بَين الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فِي الْآيَات الخارقة وَمَا لأولياء الشَّيْطَان من ذَلِك من السَّحَرَة والكهان وَالْكفَّار من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب وَأهل الْبدع والضلال من الداخلين فِي الْإِسْلَام جعلُوا الخوارق جِنْسا وَاحِدًا وَقَالُوا كلهَا يُمكن أَن تكون معْجزَة إِذا اقترنت بِدَعْوَى النُّبُوَّة وَالِاسْتِدْلَال بهَا والتحدي بِمِثْلِهَا
وَإِذا ادّعى النُّبُوَّة من لَيْسَ بِنَبِي من الْكفَّار والسحرة فَلَا بُد أَن يسلبه الله مَا كَانَ مَعَه من ذَلِك وَأَن يقيض لَهُ من يُعَارضهُ وَلَو عَارض وَاحِد من هَؤُلَاءِ النَّبِي لأعجزه الله فخاصة المعجزات عِنْدهم مُجَرّد كَون الْمُرْسل إِلَيْهِم لَا يأْتونَ بِمثل مَا أَتَى بِهِ النَّبِي كَانَ مُعْتَادا للنَّاس قَالُوا إِن عجز النَّاس عَن الْمُعَارضَة خرق عَادَة فَهَذِهِ هِيَ المعجزات عِنْدهم وهم ضاهوا سلفهم من الْمُعْتَزلَة الَّذين قَالُوا المعجزات هِيَ خرق الْعَادة لَكِن أَنْكَرُوا كرامات الصَّالِحين وأنكروا أَن يكون السحر وَالْكهَانَة من جنس الشعبذة وحيل لم يعلمُوا أَن الشَّيَاطِين تعين على ذَلِك وَأُولَئِكَ أثبتوا الكرامات ثمَّ زَعَمُوا أَن الْمُسلمين أَجمعُوا على أَن هَذِه لَا تكون إِلَّا لرجل صَالح أَو نَبِي قَالُوا فَإِذا ظَهرت على يَد رجل كَانَ صَالحا بِهَذَا الْإِجْمَاع وَهَؤُلَاء أنفسهم قد ذكرُوا أَنَّهَا تكون للسحرة مَا هُوَ مثلهَا وتناقضوا فِي ذَلِك كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا الْموضع
فَصَارَ كثير من النَّاس لَا يعلمُونَ مَا للسحرة والكهان وَمَا يَفْعَله الشَّيَاطِين من الْعَجَائِب وظنوا أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا لرجل صَالح فَصَارَ من ظَهرت هَذِه لَهُ يظنّ أَنَّهَا كَرَامَة فيقوى قلبه بِأَن طَرِيقَته هِيَ طَريقَة الْأَوْلِيَاء وَكَذَلِكَ غَيرهم يظنّ فِيهِ ذَلِك ثمَّ يَقُولُونَ الْوَلِيّ إِذا تولى لَا يعْتَرض عَلَيْهِ فَمنهمْ من يرَاهُ مُخَالفا لما علم بالاضطرار من دين الرَّسُول مثل ترك الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة وَأكل الْخَبَائِث كَالْخمرِ والحشيشة وَالْميتَة وَغير ذَلِك وَفعل الْفَوَاحِش وَالْفُحْش والتفحش فِي الْمنطق وظلم النَّاس وَقتل النَّفس بِغَيْر حق والشرك بِاللَّه وَهُوَ مَعَ ذَلِك يظنّ فِيهِ أَنه ولي من أَوْلِيَاء الله قد وهبه هَذِه الكرامات بِلَا عمل فضلا من الله تَعَالَى وَلَا يعلمُونَ أَن هَذِه من أَعمال الشَّيَاطِين وَأَن هَذِه من أَوْلِيَاء الشَّيَاطِين يضل بِهِ النَّاس ويغويهم
وَدخلت الشَّيَاطِين فِي أَنْوَاع من ذَلِك
فَتَارَة يأْتونَ الشَّخْص فِي النّوم يَقُول أحدهم أَنا أَبُو بكر الصّديق وَأَنا أتوبك لي وأصير شيخك وَأَنت تتوب النَّاس لي ويلبسه فَيُصْبِح وعَلى رَأسه مَا ألبسهُ فَلَا يشك أَن الصّديق هُوَ الَّذِي جَاءَهُ وَلَا يعلم أَنه الشَّيْطَان وَقد جرى مثل هَذَا لعدد من الْمَشَايِخ بالعراق والجزيرة وَالشَّام وَتارَة يقص شعره فِي النّوم فَيُصْبِح فيجد شعره مقصوصا وَتارَة يَقُول أَنا الشَّيْخ فلَان فَلَا يشك أَن الشَّيْخ نَفسه جَاءَهُ وقص شعره
وَكَثِيرًا مَا يستغيث الرجل بشيخه الْحَيّ أَو الْمَيِّت فيأتونه فِي صُورَة ذَلِك الشَّيْخ وَقد يخلصونه مِمَّا يكره فَلَا يشك أَن الشَّيْخ نَفسه جَاءَهُ أَو أَن ملكا تصور بصورته وجاءه وَلَا يعلم أَن ذَلِك الَّذِي تمثل إِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَان لما أشرك بِاللَّه أضلته الشَّيَاطِين وَالْمَلَائِكَة لَا تجيب مُشْركًا
وَتارَة يأْتونَ إِلَى من هُوَ خَال فِي الْبَريَّة وَقد يكون ملكا أَو أَمِيرا كَبِيرا وَيكون كَافِرًا وَقد انْقَطع عَن أَصْحَابه وعطش وَخَافَ الْمَوْت فيأتيه فِي صُورَة إنسي ويسقيه ويدعوه إِلَى الْإِسْلَام ويتوبه فَيسلم على يَدَيْهِ ويطعمه ويدله على الطَّرِيق وَيَقُول من أَنْت فَيَقُول أَنا فلَان وَيكون فِي مَوضِع
كَمَا جرى مثل هَذَا لي كنت فِي مصر فِي قلعتها وَجرى مثل هَذَا إِلَى كثير من التّرْك من نَاحيَة الْمشرق وَقَالَ لَهُ ذَلِك الشَّخْص أَنا ابْن تَيْمِية فَلم يشك ذَلِك الْأَمِير أَنِّي أَنا هُوَ وَأخْبر بذلك ملك ماردين وَأرْسل بذلك ملك ماردين إِلَى مصر رَسُولا وَكنت فِي الْحَبْس فاستعظموا ذَلِك وَأَنا لم أخرج من الْحَبْس وَلَكِن كَانَ هَذَا جنيا يحبنا فيصنع بِالتّرْكِ التتر مثل مَا كنت أصنع بهم لما جاؤوا إِلَى دمشق كنت أدعوهم إِلَى الْإِسْلَام فَإِذا نطق أحدهم بِالشَّهَادَتَيْنِ أطعمتهم مَا تيَسّر فَعمل مَعَهم مثل مَا كنت أعمل وَأَرَادَ بذلك إكرامي ليظن ذَاك أَنِّي أَنا الَّذِي فعلت ذَلِك
قَالَ لي طَائِفَة من النَّاس فَلم لايجوز أَن يكون ملك