دقائق التفسير — ابن تيمية
يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴿٢١٧﴾
سُورَة الْبَقَرَة ٢١٧ وَهَذِه الْآيَة نزلت لِأَن سَرِيَّة من الْمُسلمين ذكر أَنهم قتلوا ابْن الْحَضْرَمِيّ فِي آخر يَوْم من رَجَب فعابهم الْمُشْركُونَ بذلك فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة
فصل
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾
وَقد روى مَالك فِي موطئِهِ عَن زيد بن اسْلَمْ عَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب أَنه أخبرهُ عَن مُسلم بن يسَار الْجُهَنِيّ أَن عمر بن الْخطاب سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة ﴿أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا﴾ الْآيَة فَقَالَ عمر بن الْخطاب سَمِعت رَسُول الله ﷺ يسْأَل عَنْهَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ﵎ خلق آدم ثمَّ مسح على ظَهره بِيَمِينِهِ فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل اهل الْجنَّة يعْملُونَ ثمَّ مسح على ظَهره فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ﵎ إِذا خلق العَبْد للجنة اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال أهل الْجنَّة وَإِذا خلق العَبْد للنار اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال أهل النَّار
وَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا رَوَاهُ أهل السّنَن وَالْمَسَانِيد كَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وَقد قيل إِن إِسْنَاده مُنْقَطع وَأَن رَاوِيه مَجْهُول وَمَعَ هَذَا فقد رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ مَعَ أَنه أبلغ من غَيره لقَوْله ثمَّ مسح ظَهره بِيَمِينِهِ فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة ثمَّ مسح ظَهره فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة وَمن الْعجب أَن الْآجُرِيّ يروي فِي كتاب الشَّرِيعَة لَهُ من طَرِيق مَالك وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَغَيرهم فَلَو تَأمل أَبُو الْمَعَالِي وذووه الْكتاب الَّذِي أنكروه لوجدوا فِيهِ مَا يخصمهم وَلَكِن أَبُو الْمَعَالِي مَعَ فرط ذكائه وحرصه على الْعلم وعلو قدره فِي فنه كَانَ قَلِيل الْمعرفَة بالآثار النَّبَوِيَّة وَلَعَلَّه لم يطالع الْمُوَطَّأ بِحَال حَتَّى يعلم مَا فِيهِ فَإِنَّهُ لم يكن لَهُ بالصحيحين البُخَارِيّ وَمُسلم وَسنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ أَمْثَال هَذِه السّنَن علم أصلا فَكيف بالموطأ وَنَحْوه وَكَانَ مَعَ حرصه على الِاحْتِجَاج فِي مسَائِل الْخلاف فِي الْفِقْه إِنَّمَا عمدته سنَن أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو الْحسن مَعَ تَمام إِمَامَته فِي الحَدِيث فَإِنَّهُ إِنَّمَا صنف هَذِه السّنَن كي يذكر فِيهَا الْأَحَادِيث المستغربة فِي الْفِقْه وَيجمع طرقها فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي يحْتَاج فِيهَا إِلَى مثله فَأَما الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا فَكَانَ يَسْتَغْنِي عَنْهَا فِي ذَلِك فَلهَذَا كَانَ مُجَرّد
الِاكْتِفَاء بكتابه فِي هَذَا الحَدِيث يُورث جهلا عَظِيما بأصول الْإِسْلَام وَاعْتبر ذَلِك بِأَن كتاب أبي الْمَعَالِي الَّذِي هُوَ نخبة عمره نِهَايَة الْمطلب فِي دراية الْمَذْهَب لَيْسَ فِيهِ حَدِيث وَاحِد معزو إِلَى صَحِيح البُخَارِيّ إِلَّا حَدِيث وَاحِد فِي الْبَسْمَلَة وَلَيْسَ ذَلِك الحَدِيث فِي البُخَارِيّ كَمَا ذكره ولقلة علمه وَعلم أَمْثَاله بأصول الْإِسْلَام اتّفق أَصْحَاب الشَّافِعِي على أَنه لَيْسَ لَهُم وَجه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي فَإِذا لم يسوغ أَصْحَابه أَن يعْتد بخلافهم فِي مَسْأَلَة من فروع الْفِقْه كَيفَ يكون حَالهم فِي غير هَذَا وَإِذا اتّفق أَصْحَابه على أَن لَا يجوز أَن يتَّخذ إِمَامًا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة من مسَائِل الْفُرُوع فَكيف يتَّخذ إِمَامًا فِي أصُول الدّين مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ إِنَّمَا نبل قدره عِنْد الْخَاصَّة والعامة بتبحره فِي مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ لِأَن مَذْهَب الشَّافِعِي مؤسس على الْكتاب وَالسّنة وَهَذَا الَّذِي ارْتَفع بِهِ عِنْد الْمُسلمين غَايَته فِيهِ أَنه يُوجد مِنْهُ نقل جُمُعَة أَو بحث تفطن لَهُ فَلَا يَجْعَل إِمَامًا فِيهِ كالأئمة الَّذين لَهُم وُجُوه فَكيف بالْكلَام الَّذِي نَص الشَّافِعِي وَسَائِر الْأَئِمَّة على أَنه لَيْسَ بعد الشّرك بِاللَّه ذَنْب أعظم مِنْهُ وَقد بَينا أَن مَا جعله أصل دينه فِي الْإِرْشَاد والشامل وَغَيرهمَا هُوَ بِعَيْنِه من الْكَلَام الَّذِي نصت عَلَيْهِ الْأَئِمَّة وَلِهَذَا روى عَنهُ ابْن طَاهِر أَنه قَالَ وَقت الْمَوْت لقد خضت الْبَحْر الخضم وخليت أهل الْإِسْلَام وعلومهم وَدخلت فِي الَّذِي نهوني عَنهُ والآن إِن لم يدركني رَبِّي برحمته فالويل لِابْنِ الْجُوَيْنِيّ وَهَا أَنا أَمُوت على عقيدة أُمِّي أَو عقائد عَجَائِز نيسابور وَقَالَ أَبُو عبد الله بن الْعَبَّاس الرستمي حكى لنا الإِمَام أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عَليّ الطَّبَرِيّ الْفَقِيه قَالَ دَخَلنَا على الإِمَام أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ نعوده فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ بنيسابور فَأقْعدَ فَقَالَ لنا اشْهَدُوا على أَنِّي رجعت عَن كل مقَالَة قلتهَا أُخَالِف فِيهَا مَا قَالَ السّلف الصَّالح ﵈ وَإِنِّي أَمُوت على مَا يَمُوت عَلَيْهِ عَجَائِز نيسابور وَعَامة الْمُتَأَخِّرين من أهل الْكَلَام سلكوا خَلفه من تلامذته وتلامذة تلامذته وتلامذة تلامذة تلامذته وَمن بعدهمْ ولقلة علمه بِالْكتاب وَالسّنة وَكَلَام سلف الْأمة يظنّ أَن أَكثر الْحَوَادِث لَيست فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع مَا يدل عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يعلم حكمهَا بِالْقِيَاسِ كَمَا يذكر ذَلِك فِي كتبه وَمن كَانَ لَهُ علم بالنصوص ودلالتها على الْأَحْكَام علم أَن قَول أبي مُحَمَّد بن حزم وَأَمْثَاله أَن النُّصُوص تستوعب جَمِيع الْحَوَادِث أقرب إِلَى الصَّوَاب من هَذَا القَوْل وَإِن كَانَ فِي طَريقَة هَؤُلَاءِ من الْإِعْرَاض عَن بعض الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة مَا قد يُسمى قِيَاسا جليا وَقد يَجْعَل من دلَالَة اللَّفْظ مثل فحوى الْخطاب وَالْقِيَاس فِي معنى الأَصْل وَغير ذَلِك وَمثل الجمود على الِاسْتِصْحَاب الضَّعِيف وَمثل الْإِعْرَاض عَن مُتَابعَة أَئِمَّة من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ مَا هُوَ معيب عَلَيْهِم وَكَذَلِكَ الْقدح فِي أَعْرَاض الْأَئِمَّة لَكِن الْغَرَض أَن قَول هَؤُلَاءِ فِي اسْتِيعَاب النُّصُوص للحوادث وَإِن الله وَرَسُوله قد بَين للنَّاس دينهم هُوَ أقرب إِلَى الْعلم وَالْإِيمَان الَّذِي هُوَ الْحق مِمَّن يَقُول أَن الله لم يبين النَّاس حكم أَكثر مَا يحدث لَهُم من الْأَعْمَال بل وَكلهمْ فِيهَا إِلَى الظنون المتقابلة والآراء المتعارضة وَلَا ريب أَن سَبَب هَذَا كُله ضعف الْعلم بالآثار النَّبَوِيَّة والْآثَار السلفية
وَإِلَّا فَلَو كَانَ لأبي الْمَعَالِي وَأَمْثَاله بذلك علم راسخ وَكَانُوا قد عضوا عَلَيْهِ بضرس قَاطع لكانوا ملحقين بأئمة الْمُسلمين لما كَانَ فيهم من الاستعداد لأسباب الِاجْتِهَاد وَلَكِن اتبع أهل الْكَلَام الْمُحدث والرأي الضَّعِيف للظن وَمَا تهوى الْأَنْفس الَّذِي ينقص صَاحبه إِلَى حَيْثُ جعله الله مُسْتَحقّا لذَلِك وَإِن كَانَ لَهُ من الِاجْتِهَاد