دقائق التفسير — ابن تيمية
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴿١٨٦﴾
سُورَة الْبَقَرَة ١٨٦
وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أقرب مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الْأَخير فَيَقُول من يدعوني فأستجيب لَهُ من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ من يسألني فَأعْطِيه حَتَّى يطلع الْفجْر
فالرسل صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه أمروا النَّاس بِعبَادة الله وَحده لَا شريك لَهُ وسؤاله ودعائه ونهوا أَن يدعى أحد من دون الله تَعَالَى وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أحب الْبِقَاع إِلَى الله تَعَالَى الْمَسَاجِد وأبغضها إِلَى الله تَعَالَى الْأَسْوَاق يَعْنِي الْبِقَاع الَّتِي كَانَت
تكون فِي مدينته وَنَحْوهَا وَلم يكن بِالْمَدِينَةِ لَا حانة وَلَا كَنِيسَة وَلَا مَوضِع شرك وَهَذِه الْمَوَاضِع شَرّ من الْأَسْوَاق
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ شرار النَّاس الَّذين تُدْرِكهُمْ السَّاعَة وهم أَحيَاء وَالَّذين يتخذون الْقُبُور مَسَاجِد هَذَا إِذا بنى الْمَسْجِد الْمُسَمّى مشهدا على قبر صَحِيح فَكيف وَكثير من هَذِه الْمشَاهد المبنية على قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ من الصَّحَابَة والقرابة وَغَيرهم كذب وَكثير مِنْهَا مُخْتَلف فِيهِ لَا يتوثق فِيهِ بِنَقْل ينْقل فِي ذَلِك مِمَّا يُوجد بِالشَّام وَالْعراق وخراسان وَغير ذَلِك وَالسَّبَب فِي خفائها وَكَثْرَة الْخلاف فِيهَا أَن الله حفظ الدّين الَّذِي بعث بِهِ رَسُوله بقوله
وكل سَائل رَاغِب رَاهِب فَهُوَ عَابِد للمسؤول وَلَك عَابِد لَهُ فَهُوَ أَيْضا رَاغِب وراهب يَرْجُو رَحمته وَيخَاف عَذَابه فَكل عَابِد سَائل وكل سَائل عَابِد فأحد الاسمين يتَنَاوَل الآخر عِنْد تجرده عَنهُ وَلَكِن إِذا جمع بَينهمَا فَإِنَّهُ يُرَاد بالسائل الَّذِي يطْلب جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة بصيغ السُّؤَال والطلب وَيُرَاد بالعابد من يطْلب ذَلِك بامتثال الْأَمر وَإِن لم يكن فِي ذَلِك صِيغ سُؤال
وَالْعَابِد الَّذِي يُرِيد وَجه الله وَالنَّظَر إِلَيْهِ هُوَ أَيْضا راج خَائِف رَاغِب رَاهِب يرغب فِي حُصُول مُرَاده ويرهب من فَوَاته قَالَ تَعَالَى