×
البقرةالآية ١٤٣

دقائق التفسير — ابن تيمية

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿١٤٣﴾

وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره ﴿فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ قَالَ مُحَمَّد ﷺ وَأمته وكل من شهد للرسل بالتصديق فَهُوَ من الشَّاهِدين كَمَا قَالَ الحواريون ﴿رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا واعبدوا ربكُم وافعلوا الْخَيْر لَعَلَّكُمْ تفلحون وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده هُوَ اجتباكم وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل وَفِي هَذَا ليَكُون الرَّسُول شَهِيدا عَلَيْكُم وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ وَأما قَوْله فِي أول الْآيَة ﴿لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ فَهُوَ كَمَا أخبر ﷾ فَإِن عَدَاوَة الْمُشْركين وَالْيَهُود للْمُؤْمِنين أَشد من عَدَاوَة النَّصَارَى وَالنَّصَارَى أقرب مَوَدَّة لَهُم وَهَذَا مَعْرُوف من أَخْلَاق الْيَهُود فَإِن الْيَهُود فيهم من البغض والحسد والعداوة مَا لَيْسَ فِي النَّصَارَى وَفِي النَّصَارَى من الرَّحْمَة والمودة مَا لَيْسَ فِي الْيَهُود والعداوة أَصْلهَا البغض فاليهود كَانُوا يبغضون أنبياءهم فَكيف ببغضهم للْمُؤْمِنين واما النَّصَارَى فَلَيْسَ فِي الدّين الَّذِي يدينون بِهِ عَدَاوَة وَلَا بغض لأعداء الله الَّذين حَاربُوا الله وَرَسُوله وَسعوا فِي الأَرْض فَسَادًا فَكيف بعداوتهم وبغضهم للْمُؤْمِنين المعتدلين أهل مِلَّة إِبْرَاهِيم الْمُؤمنِينَ بِجَمِيعِ الْكتب وَالرسل وَلَيْسَ فِي هَذَا مدح لِلنَّصَارَى بِالْإِيمَان بِاللَّه وَلَا وعد لَهُم بالنجاة من الْعَذَاب وَاسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَإِنَّمَا فِيهِ أَنهم أقرب مَوَدَّة وَقَوله تَعَالَى