دقائق التفسير — ابن تيمية
تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿١٣٤﴾
سُورَة الْبَقَرَة ١٣٤ ١٤١
لَكِن الَّذِي لَا ريب فِيهِ أَن هَؤُلَاءِ اصحاب التعاليم كأرسطو واتباعه كَانُوا مُشْرِكين يعْبدُونَ الْمَخْلُوقَات وَلَا يعْرفُونَ النبوات وَلَا الْمعَاد البدني وَأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى خير مِنْهُم فِي الإلهيات والنبوات والمعاد
وَإِذا عرف أَن نفس فلسفتهم توجب عَلَيْهِم أَن لَا يَقُولُوا بقدم شَيْء من الْعَالم علم أَنهم مخالفون لصريح الْمَعْقُول كَمَا أَنهم مخالفون لصحيح الْمَنْقُول وَأَنَّهُمْ فِي تَبْدِيل الْقَوَاعِد الصَّحِيحَة المعقولة من جنس الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي تَبْدِيل مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُود فِي هَذَا الْبَاب
ثمَّ إِنَّه إِذا قدر أَنه لَيْسَ عِنْدهم من الْمَعْقُول مَا يعْرفُونَ بِهِ أحد الطَّرفَيْنِ فَيَكْفِي فِي ذَلِك إِخْبَار الرُّسُل باتفاقهم على خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وحدوث هَذَا الْعَالم والفلسفة الصَّحِيحَة المبنية على المعقولات الْمَحْضَة توجب عَلَيْهِم تَصْدِيق الرُّسُل فِيمَا أخْبرت بِهِ وَتبين
أَنهم علمُوا ذَلِك بطرِيق يعجزون عَنْهَا وَأَنَّهُمْ أعلم بالأمور الإلهية والمعاد وَمَا يسْعد النَّفس ويشقيها مِنْهُم وتدلهم على أَن من اتبع الرُّسُل كَانَ سعيدا فِي الْآخِرَة وَمن كذبهمْ كَانَ شقيا فِي الْآخِرَة وَأَنه لَو علم الرجل من الطبيعيات والرياضيات مَا عَسى أَن يعلم وَخرج عَن دين الرُّسُل كَانَ شقيا وَأَن من أطَاع الله وَرَسُوله بِحَسب طاقته كَانَ سعيدا فِي الْآخِرَة وَإِن لم يعلم شَيْئا من ذَلِك
وَلَكِن سلفهم اكثروا الْكَلَام فِي ذَلِك لأَنهم لم يكن عِنْدهم من آثَار الرُّسُل مَا يَهْتَدُونَ بِهِ إِلَى تَوْحِيد الله وعبادته وَمَا ينفع فِي الْآخِرَة وَكَانَ الشّرك مستحوذا عَلَيْهِم بِسَبَب السحر وَالْأَحْوَال الشيطانية وَكَانُوا يُنْفقُونَ أعمارهم فِي رصد الْكَوَاكِب ليستعينوا بذلك على السحر والشرك وَكَذَلِكَ الْأُمُور الطبيعية وَكَانَ مُنْتَهى عقلهم أمورا عقلية كُلية كَالْعلمِ بالوجود الْمُطلق وانقسامه إِلَى عِلّة ومعلول وجوهر عرض وتقسيم الْجَوَاهِر ثمَّ تَقْسِيم الْأَعْرَاض وَهَذَا هُوَ عِنْدهم الْحِكْمَة الْعليا والفلسفة الأولى ومنتهى ذَلِك الْعلم بالوجود الْمُطلق الَّذِي لَا يُوجد إِلَّا فِي الأذهان دون الْأَعْيَان
فصل
فِي قَوْله تَعَالَى