دقائق التفسير — ابن تيمية
وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا ﴿٨٥﴾
وَقَوله ﴿وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ وَغير ذَلِك من الْآيَات الَّتِي نزلت بِمَكَّة ثمَّ جرى بِالْمَدِينَةِ سَبَب يَقْتَضِي الْخطاب فأنزلت مرّة ثَانِيَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ بل نصبر
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن بُرَيْدَة بن الخصيب ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا بعث
أَمِيرا على سَرِيَّة أَو جَيش أَو فِي حَاجَة نَفسه أوصاهم بتقوى الله تَعَالَى وبمن مَعَه من الْمُسلمين خيرا ثمَّ يَقُول
اغزوا بِسم الله وَفِي سَبِيل الله قَاتلُوا من كفر بِاللَّه لَا تغلوا وَلَا تغدروا وَلَا تمثلوا وَلَا تقتلُوا وليدا
وَلَو شهروا السِّلَاح فِي الْبُنيان لَا فِي الصَّحرَاء لأخذ المَال فقد قيل إِنَّهُم لَيْسُوا محاربين بل هم بِمَنْزِلَة المختلس والمنتهب لِأَن الْمَطْلُوب يُدْرِكهُ الْغَوْث إِذا اسْتَغَاثَ بِالنَّاسِ
وَقَالَ أَكْثَرهم إِن حكمهم فِي الْبُنيان والصحراء وَاحِد وَهَذَا قَول مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر أَصْحَاب أَحْمد وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة بل هم فِي الْبُنيان أَحَق بالعقوبة مِنْهُم فِي الصَّحرَاء لِأَن الْبُنيان مَحل الْأَمْن والطمأنينة وَلِأَنَّهُ مَحل تناصر النَّاس وتعاونهم فإقدامهم عَلَيْهِ يَقْتَضِي شدَّة الْمُحَاربَة والمغالبة وَلِأَنَّهُم يسلبون الرجل فِي دَاره جَمِيع مَاله وَالْمُسَافر لَا يكون مَعَه غَالِبا إِلَّا بعض مَاله وَهَذَا الصَّوَاب لَا سِيمَا هَؤُلَاءِ المحترفون الَّذين تسميهم الْعَامَّة فِي الشَّام ومصر المنسر وَكَانُوا يسمون بِبَغْدَاد العيارين
وَلَو حَاربُوا بِالْعِصِيِّ وَالْحِجَارَة والمقذوفة بِالْأَيْدِي أَو المقاليع وَنَحْوهَا فهم محاربون أَيْضا وَقد حُكيَ عَن بعض الْفُقَهَاء لَا محاربة إِلَّا بالمحدد وَحكى بَعضهم الْإِجْمَاع على أَن الْمُحَاربَة تكون بالمحدد والمثقل
وَسَوَاء كَانَ فِيهِ خلاف أَو لم يكن فَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْمُسلمين أَن من قَاتل على أَخذ المَال بِأَيّ نوع كَانَ من أَنْوَاع الْقِتَال فَهُوَ محَارب قَاطع كَمَا أَن من قَاتل الْمُسلمين من الْكفَّار بِأَنِّي نوع كَانَ من أَنْوَاع الْقِتَال فَهُوَ حَرْبِيّ وَمن قَاتل الْكفَّار من الْمُسلمين بِسيف أَو رمح أَو سهم أَو حِجَارَة أَو عَصا فَهُوَ مُجَاهِد فِي سَبِيل الله
وَأما إِذا كَانَ يقتل النُّفُوس سرا لأخذ المَال مثل الَّذِي يجلس فِي خَان يكريه لأبناء السَّبِيل فَإِذا انْفَرد بِقوم مِنْهُم قَتلهمْ وَأخذ أَمْوَالهم أَو يَدْعُو إِلَى منزله من يستأجره لخياطة أَو طب أَو نَحْو ذَلِك فيقتله وَيَأْخُذ مَاله وَهَذَا يُسمى الْقَتْل غيلَة ويسميهم بعض الْعَامَّة المعرجين فَإِذا كَانَ المَال فَهَل هم كالمحاربين أَو يجْرِي عَلَيْهِم حكم الْقود فِيهِ قَولَانِ للفقهاء
أَحدهمَا أَنهم كالمحاربين لِأَن الْقَتْل بالحيلة كَالْقَتْلِ مُكَابَرَة كِلَاهُمَا لَا يُمكن الِاحْتِرَاز مِنْهُ بل قد يكون ضَرَر هَذَا أَشد لِأَنَّهُ لَا يدْرِي بِهِ
وَالثَّانِي أَن الْمُحَارب هُوَ المجاهر بِالْقِتَالِ وَأَن هَذَا المغتال يكون أمره إِلَى ولي الدَّم وَالْأول أشبه بأصول الشَّرِيعَة بل قد يكون هَذَا أَشد لِأَنَّهُ لَا يدْرِي بِهِ
وَاخْتلف الْفُقَهَاء أَيْضا فِيمَن يقتل السُّلْطَان كقتلة عُثْمَان وَقَاتل عَليّ ﵄ هَل هم كالمحاربين فيقتلون حدا أَو يكون أَمرهم إِلَى أَوْلِيَاء الدَّم على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره لِأَن فِي قَتله فَسَادًا
فصل
وَهَذَا كُله إِذا قدر عَلَيْهِ فَأَما إِذا طَلَبهمْ السُّلْطَان أَو نوابه لإِقَامَة الْحَد بِلَا عدوان فامتنعوا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يجب على الْمُسلمين قِتَالهمْ بِاتِّفَاق الْعلمَاء حَتَّى يقدر عَلَيْهِم كلهم وَمَتى لم ينقادوا إِلَّا بِقِتَال يُفْضِي إِلَى قَتلهمْ كلهم قوتلوا وَإِن أفْضى إِلَى ذَلِك سَوَاء كَانُوا قد قتلوا أَو لم يقتلُوا وَيقْتلُونَ فِي الْقِتَال كَيْفَمَا أمكن فِي الْعُنُق وَغَيره وَيُقَاتل من قَاتل مَعَهم مِمَّن يحميهم ويعينهم فَهَذَا قتال وَذَاكَ إِقَامَة حد وقتال هَؤُلَاءِ أوكد من قتال الطوائف الممتنعة عَن شرائع الْإِسْلَام فَإِن هَؤُلَاءِ قد تحزبوا لفساد النُّفُوس وَالْأَمْوَال وهلاك الْحَرْث والنسل لَيْسَ مقصودهم إِقَامَة دين وَلَا ملك وَهَؤُلَاء كالمحاربين الَّذين يأوون إِلَى حصن أَو مغارة أَو رَأس جبل أَو بطن وَاد وَنَحْو ذَلِك يقطعون الطَّرِيق على من مر بهم وَإِذا جَاءَهُم جند ولي الْأَمر يطلبهم للدخول فِي طَاعَة الْمُسلمين وَالْجَمَاعَة لإِقَامَة الْحُدُود قاتلوهم ودفعوهم مثل الْأَعْرَاب الَّذين يقطعون الطَّرِيق على الْحَاج أَو غَيره من الطرقات أَو الجبلية الَّذين يعتصمون برؤوس الْجبَال أَو المغارات لقطع الطَّرِيق وكالأحلاف الَّذين تحالفوا لقطع الطَّرِيق بَين الشَّام وَالْعراق ويسمون ذَلِك النهيضة فَإِنَّهُم يُقَاتلُون كَمَا ذَكرْنَاهُ وَلَكِن قِتَالهمْ لَيْسَ بِمَنْزِلَة قتال الْكفَّار إِذا لم يَكُونُوا كفَّارًا وَلَا تُؤْخَذ أَمْوَالهم إِلَّا أَن يَكُونُوا أخذُوا أَمْوَال النَّاس بِغَيْر حق فَإِن عَلَيْهِم ضَمَانهَا فَيُؤْخَذ مِنْهُم بِقدر مَا أخذُوا وَإِن لم نعلم عين الْآخِذ وَكَذَلِكَ لَو علم عينه فَإِن الردء والمباشر سَوَاء كَمَا قُلْنَاهُ لَكِن إِذا عرف عينه كَانَ قَرَار الضَّمَان عَلَيْهِ وَيرد مَا يُؤْخَذ مِنْهُ على أَرْبَاب الْأَمْوَال فَإِن تعذر الرَّد عَلَيْهِم كَانَ لمصَالح الْمُسلمين من رزق الطَّائِفَة الْمُقَاتلَة لَهُم وَغير ذَلِك بل الْمَقْصُود من قِتَالهمْ التَّمَكُّن مِنْهُم لإِقَامَة الْحُدُود ومنعهم من الْفساد فَإِذا جرح الرجل مِنْهُم جرحا مثخنا لم يُجهز عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوت إِلَّا أَن يَمُوت يكون قد وَجب عَلَيْهِ الْقَتْل وَإِذا هرب وكفانا شَره لم نتبعه إِلَّا أَن يكون عَلَيْهِ حد أَو نَخَاف عاقبته وَمن أسر مِنْهُم أقيم عَلَيْهِ الْحَد الَّذِي يُقَام على غَيره وَمن الْفُقَهَاء من يشدد فيهم حَتَّى يرى غنيمَة أَمْوَالهم وتخميسها وَأَكْثَرهم يأبون ذَلِك فَأَما إِذا تحيزوا إِلَى مملكة طَائِفَة خَارِجَة عَن شَرِيعَة الْإِسْلَام وأعانوهم على الْمُسلمين قوتلوا كقتالهم
وَأما من كَانَ لَا يقطع الطَّرِيق وَلكنه يَأْخُذ خفارة أَو ضريبة من أَبنَاء السَّبِيل على الرؤوس
وَالدَّوَاب والأحمال وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا مكاس عَلَيْهِ عُقُوبَة المكاسين وَقد اخْتلف الْفُقَهَاء جَوَاز قَتله وَلَيْسَ هُوَ من قطاع الطَّرِيق فَإِن الطَّرِيق لَا يَنْقَطِع بِهِ مَعَ أَنه أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الغامدية
لقد تابت تَوْبَة لَو تابها صَاحب مكس لغفر لَهُ
وَيجوز للمظلومين الَّذين ترَاد أَمْوَالهم قتل الْمُحَاربين بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَلَا يجب أَن يبْذل لَهُم من المَال لَا قَلِيل وَلَا كثير إِذا أمكن قِتَالهمْ فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ
من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون دَمه فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون دينه فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون حرمته فَهُوَ شَهِيد وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيه الْفُقَهَاء الصَّائِل وَهُوَ الظَّالِم بِلَا تَأْوِيل وَلَا ولَايَة فَإِذ