تفسير عبد الرزاق — عبد الرزاق الصنعاني
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِۦمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿٢٥٨﴾
إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ قَالَا: هُوَ جَبَّارٌ اسْمُهُ نَمْرُودُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَجَبَّرَ فِي الْأَرْضِ، فَحَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، أَيْ أَنْ آتَى اللَّهُ الْجَبَّارَ الْمُلْكَ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: «رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» فَقَالَ ذَلِكَ الْجَبَّارُ: وَأَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، يَقُولُ: «أَنَا أَقْتُلُ مَنْ شِئْتُ، وَأُحْيِي مَنْ شِئْتُ»
عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ:
٣٢٧ - نا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يُحَدِّثُ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ أَوْ قَالَ: «بَرَزَ طَالُوتُ لِجَالُوتَ» قَالَ جَالُوتُ: «أَبْرِزُوا إِلَيَّ مَنْ يُقَاتِلُنِي، فَإِنْ قَتَلَنِي فَلَكُمْ مُلْكِي، وَإِنْ قَتَلْتُهُ فَلِي مُلْكُكُمْ، فَأُتِيَ بِدَاوُدَ إِلَى طَالُوتَ، فَقَاضَاهُ إِنْ قَتَلَهُ أَنْ يُنْكِحَهُ ابْنَتَهُ، وَيُحَكِّمَهُ فِي مُلْكِهِ» قَالَ: فَأَلْبَسَهُ طَالُوتُ سِلَاحَهُ، فَكَرِهَ دَاوُدُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِسِلَاحٍ، وَقَالَ: «إِنِ اللَّهُ لَمْ يَنْصُرْنِي عَلَيْهِ لَمْ يُغْنِ السِّلَاحُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِالْمِقْلَاعِ، وَمِخْلَاةٍ فِيهَا الْحِجَارَةُ، ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ» فَقَالَ جَالُوتُ: «أَنْتَ تُقَاتِلُنِي؟» قَالَ دَاوُدُ: «نَعَمْ» قَالَ: " وَيْلَكَ مَا خَرَجْتَ إِلَيَّ إِلَّا كَمَا يُخْرَجُ لِلْكَلْبِ بِالْمِقْلَاعِ وَالْحِجَارَةِ، لَأُبَدِّدَنَّ لَحْمَكَ، وَلَأُطْعِمَنَّهُ الْيَوْمَ السِّبَاعَ، فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: " بَلْ أَنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ شَرٌّ مِنَ الْكَلْبِ، وَأَخَذَ دَاوُدُ حَجَرًا، فَرَمَاهُ بِالْمِقْلَاعِ، فَأَصَابَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، حَتَّى نَفَذَ فِي دِمَاغِهِ، فَصُرِعَ جَالُوتُ، وَانْهَزَمَ مَنْ مَعَهُ، وَأَخَذَ دَاوُدُ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى طَالُوتَ ادَّعَى النَّاسُ قَتْلَ جَالُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي بِالسَّيْفِ، أَوْ بِالشَّيْءِ مِنْ سِلَاحِهِ، أَوْ جَسَدِهِ، وَخَبَّأَ دَاوُدُ رَأْسَهُ، فَقَالَ طَالُوتُ: " مَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ فَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، فَجَاءَ بِهِ دَاوُدُ، ثُمَّ قَالَ لِطَالُوتَ: " أَعْطِنِي مَا وَعَدْتَنِي، فَنَدِمَ طَالُوتُ عَلَى مَا شَرَطَ لَهُ، وَقَالَ: " إِنَّ بَنَاتِ الْمُلُوكِ لَا بُدَّ لَهُنَّ مِنْ صَدَاقٍ، وَأَنْتَ رَجُلٌ جَرِيءٌ شُجَاعٌ، فَاجْعَلْ لَهَا صَدَاقًا ثَلَاثَ مِائَةِ غُلْفَةٍ مِنْ أَعْدَائِنَا، وَكَانَ يَرْجُو بِذَلِكَ أَنْ يُقْتَلَ دَاوُدُ، فَغَدَا دَاوُدُ فَأَسَرَ ثَلَاثَ مِائَةٍ، وَقَطَعَ غُلْفَهُمْ، وَجَاءَ بِهَا، فَلَمْ يَجِدْ طَالُوتُ بُدًّا مِنْ أَنْ يُزَوِّجَهُ، فَزَوَّجَهُ، ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ النَّدَامَةُ، فَأَرَادَ قَتْلَ دَاوُدَ، فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى الْجَبَلِ، فَنَهَضَ إِلَيْهِ طَالُوتُ، فَحَاصَرَهُ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ سُلِّطَ النَّوْمُ عَلَى طَالُوتَ وَحَرَسِهِ، فَهَبَطَ إِلَيْهِمْ دَاوُدُ، فَأَخَذَ إِبْرِيقَ طَالُوتَ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُ بِهِ وَيَتَوَضَّأُ، وَقَطَعَ شَعَرَاتٍ مِنْ لِحْيَتِهِ، وَشَيْئًا مِنْ هُدْبِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ رَجَعَ دَاوُدُ إِلَى مَكَانِهِ، فَنَادَاهُ: «أَنْ تَعَاهَدْ حَرَسَكَ، فَإِنِّي لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقْتُلَكَ الْبَارِحَةَ فَعَلْتُ، بِآيَةِ أَنَّ هَذَا إِبْرِيقُكَ، وَشَيْءٌ مِنْ شَعْرِ لِحْيَتِكَ، وَهُدْبِ ثِيَابِكَ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ، فَعَلِمَ طَالُوتُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ قَتَلَهُ، فَعَطَّفَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَمَّنَهُ، وَعَاهَدَ اللَّهَ أَلَّا يَرَى مِنْهُ بَأْسًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ كَانَ فِي آخِرِ أَمْرِ طَالُوتَ أَنَّهُ كَانَ يَدُسُّ لِقَتْلِهِ، وَكَانَ طَالُوتُ لَا يُقَاتِلُ عَدُوًّا إِلَّا هُزِمَ حَتَّى مَاتَ» قَالَ بَكَّارٌ: " وَسُئِلَ وَهْبٌ وَأَنَا أَسْمَعُ: أَنَبِيًّا كَانَ طَالُوتُ يُوحَى إِلَيْهِ؟ " فَقَالَ: «لَا، لَمْ يَأْتِهِ وَحْيٌ، وَلَكِنْ كَانَ مَعَهُ نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْهِ» يُقَالُ لَهُ: «أَشْمُوِيلُ، يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي مَلَّكَ طَالُوتَ»
حَدِيثُ نُمْرُوذَ
عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ:
٣٢٨ - نا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ أَوَّلَ جَبَّارٍ كَانَ فِي الْأَرْضِ نُمْرُوذُ، قَالَ: وَكَانَ " النَّاسُ يَخْرُجُونَ يَمْتَارُونَ مِنْ عِنْدِهِ الطَّعَامَ، قَالَ: فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ يَمْتَارُهُ مَعَ مَنْ يَمْتَارُ " فَإِذَا مَرَّ بِهِ نَاسٌ قَالَ: «مَنْ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: أَنْتَ، حَتَّى مَرَّ بِهِ إِبْرَاهِيمُ قَالَ: «مَنْ رَبُّكَ؟» قَالَ: الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قَالَ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾
قَالَ: فَرُدَّ بِغَيْرِ طَعَامٍ، قَالَ: فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ، فَمَرَّ عَلَى كَثِيبٍ مِنْ رَمْلٍ أَعْفَرَ، فَقَالَ: " أَلَا آخُذُ مِنْ هَذَا فَأُتِيَ بِهِ أَهْلِي، فَتَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ حِينَ أَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُ، فَأَتَى أَهْلَهُ " قَالَ: فَوَضَعَ مَتَاعَهُ ثُمَّ نَامَ، قَالَ: «فَقَامَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى مَتَاعِهِ، فَفَتَحَتْهُ، فَإِذَا هُوَ بِأَجْوَدِ طَعَامٍ رَآهُ أَحَدٌ، فَصَنَعَتْ لَهُ مِنْهُ، فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ عَهْدُهُ بِأَهْلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ طَعَامٌ» فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ فَقَالَتْ: «مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، فَعَرَفَ أَنَّ اللَّهَ رَزَقَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ» ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ إِلَى الْجَبَّارِ مَلَكًا: «أَنْ آمِنْ بِي، وَأَتْرُكُكَ عَلَى مُلْكِكَ» قَالَ: فَهَلْ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: «فَجَاءَهُ الثَّانِيَةَ» فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ: «فَأَبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَبَى عَلَيْهِ» فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: فَاجْمَعْ جُمُوعَكَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ: فَجَمَعَ الْجَبَّارُ جُمُوعَهُ، قَالَ: «فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَ، فَفَتَحَ عَلَيْهِ بَابًا مِنَ الْبَعُوضِ» قَالَ: فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلَمْ يَرَوْهَا مِنْ كَثْرَتِهَا، قَالَ: «فَبَعَثَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَأَكَلَتْ لُحُومَهُمْ، وَشَرِبَتْ دِمَاءَهُمْ، فَلَمْ تُبْقِ إِلَّا الْعِظَامَ، وَالْمَلِكُ كَمَا هُوَ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ» فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً، فَدَخَلَتْ فِي مَنْخَرِهِ، فَمَكَثَ أَرْبَعَ مِائَةِ سَنَةٍ، يُضْرَبُ رَأْسُهُ، وَأَرْحَمُ النَّاسِ بِهِ مَنْ جَمَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِمَا رَأْسَهُ، وَكَانَ جَبَّارًا أَرْبَعَ مِائَةِ عَامٍ، فَعَذَّبَهُ اللَّهُ أَرْبَعَ مِائَةِ سَنَةٍ كَمُلْكِهِ، ثُمَّ أَمَاتَهُ اللَّهُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ بَنَى صَرْحًا إِلَى السَّمَاءِ، فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾