روائع التفسير — ابن رجب الحنبلي
وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلْكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا ﴿٤٩﴾
قوله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)
وقولُهُ - ﷺ -: "أتبع السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها"
ظاهرُه أنَّ الستيئاتِ تُمحَى بالحسناتِ.
وقد تقدَّم ذكرُ الآثارِ التي فيها أنَّ السيئةَ تمحى من صُحفِ الملائكة بالحسنةِ إذا عُملتْ بعدَهَا، قال عطيّةُ العوفيُّ: بلغنِي أنَّه من بكى على خطيئتهِ مُحيتْ
عنه، وكُتِبتْ له حسنة، وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، قالَ: من ذكرَ خطيئةً
عمِلهَا، فوَجِلَ قلبُهُ منها، فاستغفرَ اللَّهَ ﷿ لم يَحبسْها شيءٌ حتى
يمحوها عنه الرَّحمنُ. وقال بِشْرُ بنُ الحارثِ: بلغني عن الفضيلِ بنِ عياضٍ.
قالَ: بكاءُ النَّهارِ يمحُو ذنوبَ العلانيةِ: وبكاءُ الليلِ يمحُو ذنوبَ السِّرِّ، وقد
ذكرَنا قولَ النبيَّ - ﷺ -:
"ألا أدلكم على ما يمحُو اللَّه به الخطايا ويرفعُ به الدرجاتِ " الحديث.
وقال طائفة: لا تُمحَى الذنوبُ من صحائفِ الأعمالِ بتوبةٍ ولا غيرِها، بل
لابُدَّ من أن يُوقفَ عليها صاحبُها ويقرأُها يومَ القيامةِ، واستدلُّوا بقولِهِ تعالى:
(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) .
وفي الاستدلالِ بهذهِ الآيةِ نظرٌ، لأنَّه إنَّما ذكرَ فيها حالَ المجرمينَ، وهم أهلُ الجرائم، والذنوبِ العظيمةِ، فلا يدخلُ فيهم المؤمنونَ التائبونَ من ذنوبِهِم، أو المغمورةِ ذنوبُهم بحسناتِهِم.
وأظهرُ من هذا، الاستدلالُ بقولِهِ تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .
وقد ذكر بعضُ المفسرينَ أنَّ هذا القولَ هو الصحيحُ عند المحققينَ.
وقد رُوي هذا القولُ عن الحسنِ البصريِّ، وبلالِ بنِ سعدٍ الدمشقيِّ.
قال: الحسنُ في العبدِ يذنبُ، ثم يتوبُ، ويستغفرُ: يُغفر له، ولكن لا يُمحاه من كتابِهِ دونَ أن يقِفَه عليه، ثم يسأله عنه، ثم بكى الحسنُ بكاءً شديدًا، وقال: لو لم نبكِ إلا للحياءِ من ذلك المقامِ، لكان ينبغي لنا أن نبكي.
وقال بلالُ بنُ سعدٍ: إن اللَّهَ يغفرَ الذنوبَ، ولكن لا يمحُوها من الصحيفةِ
حتى يُوقفه عليها يومَ القيامةِ وإن تابَ.
وقال أبو هريرة: يُدني اللَهُ العبدَ يومَ القيامةِ، فيضعُ عليه كنَفَهُ، فيستُرُهُ من
الخلائقِ كُلِّها، ويدفعُ إليه كتابَهُ في ذلكَ السترِ، فيقولُ: اقرأ يا ابنَ آدمَ
كتابَك، فيقرأُ، فيمرُّ بالحسنةِ، فيبيضُّ لها وجهُه، ويُسرُّ بها قلبُه، فيقولُ اللَّهُ: أتعرفُ يا عبدِي؟ فيقولُ: نعم، فيقولُ: إنِّي قبلتُها منكَ، فيسجدُ، فيقولُ: ارفعْ رأسكَ وعُدْ في كتابِك، فيمرُّ بالسيِّئةِ، فيسودُّ لها وجههُ، ويُوْجَلُ منها قلبُه، وترتعدُ منها فرائصُهُ، ويأخذُه من الحياءِ من ربِّه ما لا يعلمُه غيرُهُ، فيقول: أتعرفُ يا عبدِي؟ فيقول: نعم يا ربِّ، فيقولُ: إنِّي قد غفرتُها لكَ، فيسجدُ، فلا يرى منه الخلائقُ إلا السُّجودَ حتى ينادِي بعضُهم بعضًا: طُوبى لهذا العبدِ الذي لم يَعصِ اللَّه قطُّ، ولا يدرونَ ما قد لقِيَ فيما بينه وبينَ ربِّه ممَّا قد وقفَهُ عليه.
وقال أبو عثمانَ النَّهْديُّ عن سلمانَ: يُعطَى الرجلُ صحيفتَهُ يومَ القيامةِ.
فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاتُهُ، فإذا كادَ يسوءُ ظنُّه، نظرَ في أسفلِهَا، فإذا
حسناتُهُ، ثم نظرَ إلى أعلاها فإذا هي قد بُدلتْ حسناتٍ.
ورُوي عن أبي عثمانَ، عن ابنِ مسعود، وعن أبي عثمانَ من قولِهِ وهو أصحُّ.
وروى ابنُ أبي حاتم بإسنادِهِ عن بعضِ أصحابِ معاذِ بنِ جبلٍ، قالَ:
يدخلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ على أربعةِ أصنافٍ: المتقينَ، ثم الشاكرينَ، ثم
الخائفينَ، ثم أصحابُ اليمينِ.
قيلَ: لِمَ سُمُوا أصحابَ اليمينِ؟
قال: لأنَّهم عملُوا الحسناتِ والسيئاتِ، فأعطُوا كتبهم بإيمانهم، فقرءُوا سيئاتِهُم حرفًا حرفًا، قالُوا: يا ربَّنا هذه سيئاتُنا فأين حسناتُنا؟
فعندَ ذلك محا اللَّهُ السيئاتِ، وجعلَها حسناتٍ، فعند ذلك قالُوا:
(هَاؤُمُ اقْرَءُوا كتَابِيَهْ)، فهم أكثرُ أهلِ الجنةِ.
وأهلُ هذا القول قد يحملونَ أحاديثَ محوِ السيئات بالحسنات على محوِ
عقوبتها دون محوِ كتابتِها من الصحفِ، واللَّه أعلم. َ
* * *