تفسير ابن المنذر — ابن المنذر النيسابوري
وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٠٣﴾
قوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾
٧٧٢ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فِي قوله ﷿: " ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾ قَالَ: حَبْلُ اللهِ الْقُرْآنُ "
٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " حَبْلُ اللهِ هُوَ الْجَمَاعَةُ "
٧٧٤ - حَدَّثَنَا النجار، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرزاق، عَنْ معمر، عَنْ قتادة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾ قَالَ: بعهد الله وأمره "
٧٧٥ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق، قَالَ: وحدثت، عَنْ ابْن حيان، قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾ يقول: " اعتصموا بأمر الله وطاعته جميعا، وَلا تفرقوا
قوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾
٧٧٦ - حَدَّثَنَا محمد بْن علي الصائغ، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن شبيب، قَالَ: حَدَّثَنَا يزيد، عَنْ سعيد، عَنْ قتادة، قوله: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ " قَدْ كره إليكم الفرقة، وقدم إليكم فِيهَا، وحذركموها، ونهاكم عنها، ورضي لَكُمُ السمع، والطاعة، والألفة، والجماعة، فارضوا لأنفسكم مَا رضي لَكُمْ إن استطعتم وَلا قوة إِلا بالله
قوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾
٧٧٧ - أَخْبَرَنَا النَّجَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ نَفَرًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَأَرَدُوا أَنْ يَذْهَبَ مَعَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَيْنَ قَوْمِنَا حَرْبٌ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ جِئْتَ عَلَى حَالِكَ هَذِهِ أَنْ لا يَتَهَيَّأَ الَّذِي تُرِيدُ، فَوَاعَدُوهُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ، فَقَالُوا: نَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ تِلْكَ الْحَرْبَ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا لا تَصْلُحُ، وَهِيَ يَوْمَ بُعَاثٍ فَلَقُوهُ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ سَبْعِينَ رَجُلا قَدْ آمَنُوا بِهِ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ النُّقَبَاءَ: اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا، فَذَلِكَ
حِينَ يَقُولُ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ "
٧٧٨ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، قَالَ: وحدثت، عَنْ ابْن حيان فِي قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ فِي الجاهلية، ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ فِي الإسلام ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ﴾ برحمته يعني بالإسلام ﴿إِخْوَانًا﴾، والمؤمنون إخوة ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ يقول: " كنتم مشركين فِي جاهليتكم، الميت فِي النَّار، والحي عَلَى شفا حفرة من النَّار ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾ الله من الشرك إِلَى الإيمان " بلغني، والله أعلم، أن هَذِهِ الآيَة أنزلت فِي قبيلتين من
قبائل الأنصار فِي رجلين أحدهما من الخزرج، والأخر من الأوس اقتتلوا فِي الجاهلية زمانا طويلا، فقدم النَّبِيّ ﷺ المدينة، فأصلح بينهم فجرى الحديث بينهما فِي المجلس فتفاخروا، فَقَالَ بعضهم: أما والله لو تأخر الإسلام قليلا لقتلنا سادتكم، ونكحنا نساءكم، قَالَ الآخرون: قَدْ كَانَ الإسلام مستأخرا زمانا طويلا، فهلا فعلتم ذَلِكَ، فنادوا عِنْد ذَلِكَ بالأشعار، وذكروا القتل، فتفاخروا، واستبوا حَتَّى كَانَ بينهم فضبت الأوس والخزرج إِلَى الخزرج، ودنا بعضهم من بعض، فبلغ ذَلِكَ رَسُول اللهِ ﷺ، فركب إليهم، وقد أشرع بعضهم ارحما إِلَى بعض، فنادى النَّبِيّ ﷺ بأعلى صوته، واطلع عَلَيْهِمْ وتلا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ حَتَّى بلغ إِلَى آخِرِ الآيات يقول: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن تطيعوه فلا تعصوه فِي شَيْء، فذلك حق الله عَلَى العباد، فَلَمَّا سمعوا ذَلِكَ كف بعضهم، عَنْ بعض، وتناول بعضهم خدود بعض بالتقبيل "
٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وقوله ﷿: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ إذ كنتم تذابحون فِيهِ، يأكل شديدكم ضعيفكم، حَتَّى جَاءَ الله بالإسلام، فآخى بِهِ بينكم، وألف بِهِ بينكم، أما والله لا إله إِلا هُوَ إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب، ذكر لَنَا أن نبي الله ﷺ كَانَ يقول: " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَتَوَادَّ رَجُلانِ فِي الإِسْلامِ، فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَوَّلِ ذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا، وَإِنَّ أَرَدَاهُمَا الْمُحْدِثُ "
قوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾
٧٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قوله: " ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلا قَالَ لابْنِ مَسْعُودٍ: كَيْفَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: أَصْبَحْنَا بِنِعْمَةِ اللهِ إِخْوَانًا "
قوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ الآيَة
٧٨١ - حَدَّثَنَا محمد بْن علي، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن شبيب، قَالَ: حَدَّثَنَا يزيد، عَنْ سعيد، عَنْ قتادة: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ الآيَة " كَانَ هَذَا الحي من العرب أذل النَّاس ذلا، وأشقاه عيشا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعه بطونا، معكوفين عَلَى رأس حجر بين الأسدين: فارس والروم، لا والله مَا فِي بلادهم يومئذ شَيْء يحسدون عَلَيْهِ، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات ردي فِي النَّار، يؤكلون وَلا يأكلون، والله مَا نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض كانوا أصغر فِيهَا خطرا، وأرق فِيهَا شأنا منهم، حَتَّى جَاءَ الله بالإسلام فورثكم بِهِ الْكِتَاب، وأحل لَكُمْ بِهِ دار الجهاد، ووسع لَكُمْ بِهِ الرزق، وجعلكم ملوكا عَلَى رقاب النَّاس، وبالإسلام أعطى الله مَا رأيتم، فاشكروا نعمة الله، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أَهْل الشكر فِي مزيد مِنَ اللهِ ﵎ "
٧٨٢ - أَخْبَرَنَا علي بْن عَبْد العزيز، قَالَ: حَدَّثَنَا الأثرم، عَنْ أبي عبيدة: ﴿شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ أي: " حرف مثل شفى الركية
حروفها ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾: ترك شفا، ووقع التأنيث عَلَى ﴿حُفْرَةٍ﴾ وتصنع العرب مثل هَذَا كثيرا " قَالَ جرير رأت مر السنين أخذن مني كَمَا أخذا السرار من الهلال وَقَالَ العجاج طول الليالي أسرعت
فِي نقضي طوين طولي وطوين عرضي