دقائق التفسير — ابن تيمية
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ حِينٌۭ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًۭٔا مَّذْكُورًا ﴿١﴾
سُورَة الانسان
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَبِه نستعين
(فصل) عرض مُجمل للسورة
اعْلَم أَن سُورَة ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان﴾ سُورَة عَجِيبَة الشَّأْن من سور الْقُرْآن على اختصارها فَإِن الله سُبْحَانَهُ ابتدأها بِذكر كَيْفيَّة خلق الانسان من النُّطْفَة ذَات الأمشاج والاخلاط الَّتِي لم يزل بقدرته ولطفه وحكمته يصرفهُ عَلَيْهَا أطوارا وينقله من حَال إِلَى حَال إِلَى أَن تمت خلقته وكملت صورته فَأخْرجهُ انسانا سويا سميعا بَصيرًا ثمَّ لما تَكَامل تَمْيِيزه وادراكه هداه طريقي الْخَيْر وَالشَّر وَالْهدى والضلال وَأَنه بعد هَذِه الْهِدَايَة اما أَن يشْكر ربه واما أَن يكفره ثمَّ ذكر مآل أهل الشُّكْر وَالْكفْر وَمَا أعد لهَؤُلَاء وَهَؤُلَاء وَبَدَأَ أَولا بِذكر عَاقِبَة أهل الْكفْر ثمَّ عَاقِبَة أهل الشُّكْر وَفِي آخر السُّورَة ذكر أَولا أهل الرَّحْمَة ثمَّ أهل الْعَذَاب فَبَدَأَ السُّورَة بِأول أَحْوَال الْإِنْسَان وَهِي النُّطْفَة وختمها بآخر أَحْوَاله وَهِي كَونه من أهل الرَّحْمَة أَو الْعَذَاب ووسطها بأعمال الْفَرِيقَيْنِ فَذكر أَعمال أهل الْعَذَاب مجملة فِي قَوْله ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ﴾ سُورَة الانسان ٤ وأعمال أهل الرَّحْمَة مفصلة وجزاءهم مفصلا
فتضمنت السُّورَة خلق الْإِنْسَان وهدايته ومبدأه وتوسطه ونهايته وتضمنت المبدأ
والمعاد والخلق وَالْأَمر وهما الْقُدْرَة وَالشَّرْع وتضمنت إِثْبَات السَّبَب وَكَون العَبْد فَاعِلا مرِيدا حَقِيقَة وَأَن فاعليته ومشيئته إِنَّمَا هِيَ بِمَشِيئَة الله فَفِيهَا الرَّد على الطَّائِفَتَيْنِ الْقَدَرِيَّة والجبرية وفيهَا ذكر أَقسَام بني آدم كلهم فأنهم أما أهل شمال وهم الْكفَّار أَو أهل يَمِين وهم نَوْعَانِ أبرار ومقربون وَذكر سُبْحَانَهُ أَن شراب الابرار يمزج من شراب عباده المقربين لأَنهم مزجوا أَعْمَالهم ويشربه المقربون صرفا خَالِصا كَمَا أَخْلصُوا أَعْمَالهم وَجعل سُبْحَانَهُ شراب المقربين من الكافور الَّذِي فِيهِ من التبريد وَالْقُوَّة مَا يُنَاسب برد الْيَقِين وقوته لما حصل لقُلُوبِهِمْ وَوصل إِلَيْهَا فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا فِي ذَلِك من مُقَابلَته للسعير
وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن لَهُم شرابًا آخر ممزوجا من الزنجبيل لما فِيهِ من طيب الرَّائِحَة وَلَذَّة الطّعْم والحرارة الَّتِي توجب تغير برد الكافور واذابة الفضلات وتطهير الاجواف وَلِهَذَا وَصفه سُبْحَانَهُ بِكَوْنِهِ شرابًا طهُورا أَي مطهرا لبطونهم
فوصفهم سُبْحَانَهُ بِجَمَال الظَّاهِر وَالْبَاطِن كَمَا قَالَ ﴿ولقاهم نَضرة وسرورا﴾ الْآيَة ١١ فالنضرة جمال وُجُوههم وَالسُّرُور جمال قُلُوبهم كَمَا قَالَ ﴿تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم﴾ سُورَة المطففين ٢٤
وَقَرِيب من هَذَا قَول امْرَأَة الْعَزِيز فِي يُوسُف ﴿فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ وَلَقَد راودته عَن نَفسه فاستعصم﴾ سُورَة يُوسُف ٣٢ فَأخْبرت بِجَمَال ظَاهره حِين أشارت إِلَيْهِ بِالْخرُوجِ عَلَيْهِنَّ ثمَّ ضمت إِلَى ذَلِك اخبارهم بِأَن بَاطِنه أجمل من ظَاهره بِأَنِّي راودته فَأبى إِلَّا الْعِفَّة وَالْحيَاء والاستعصام
ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ من أَعمال الْأَبْرَار مَا ينتبه سامعه على جمعهم لأعمال الْبر كلهَا فَذكر سُبْحَانَهُ وفاءهم بِالنذرِ وخوفهم من رَبهم واطعامهم الطَّعَام على محبتهم لَهُ واخلاصهم لرَبهم فِي طاعتهم
وَذكر سُبْحَانَهُ الْوَفَاء بِالنذرِ وَهُوَ أَضْعَف الْوَاجِبَات فَإِن العَبْد هُوَ الَّذِي اوجبه على نَفسه الْتِزَامه فَهُوَ دون مَا أوجبه الله سُبْحَانَهُ وَعَلِيهِ فَإِذا (وفى) لله بأضعف الواجبين الَّذِي الْتَزمهُ هُوَ فَهُوَ بِأَن يُوفى بِالْوَاجِبِ الاعظم الَّذِي اوجبه الله عَلَيْهِ أولى وَأَحْرَى
وَمن هَهُنَا قَالَ من قَالَ من الْمُفَسّرين المقربون يُوفونَ بِطَاعَة الله ويقومون بِحقِّهِ عَلَيْهِم وَذَلِكَ أَن العَبْد إِذا نذر لله طَاعَة فوفى بهَا فَإِنَّمَا يفعل ذَلِك لكَونهَا صَارَت حَقًا لله يجب الْوَفَاء بهَا وَهَذَا مَوْجُود فِي حُقُوقه كلهَا فَهِيَ فِي ذَلِك سَوَاء
ثمَّ أخبر عَنْهُم بِأَنَّهُم يخَافُونَ الْيَوْم العسير القمطرير وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة فَفِي ضمن هَذَا الْخَوْف إِيمَانهم بِالْيَوْمِ الآخر وكفهم عَن الْمعاصِي الَّتِي تَضُرهُمْ فِي ذَلِك الْيَوْم وقيامهم بالطاعات الَّتِي يَنْفَعهُمْ فعلهَا ويضرهم تَركهَا فِي ذَلِك الْيَوْم
ثمَّ أخبر عَنْهُم باطعام الطَّعَام على محبتهم لَهُ وَذَلِكَ يدل على نفاسته عِنْدهم وحاجتهم إِلَيْهِ وَمَا كَانَ كَذَلِك فالنفوس بِهِ أشح والقلوب بِهِ أعلق وَالْيَد لَهُ أمسك فَإِذا بذلوه فِي هَذِه الْحَال فهم لما سواهُ من حُقُوق الْعباد أبذل
فَذكر من حُقُوق الْعباد بذل قوت النَّفس على نفاسته وَشدَّة الْحَاجة منبها على الْوَفَاء بِمَا دونه كَمَا ذكر من حُقُوقه الْوَفَاء بِالنذرِ منبها على الْوَفَاء بِمَا هُوَ فَوْقه وَأوجب مِنْهُ وَنبهَ بقوله ﴿على حبه﴾ الْآيَة ٨ أَنه لَوْلَا أَن الله سُبْحَانَهُ أحب إِلَيْهِم مِنْهُ لما آثروه على مَا يحبونه فآثروا المحبوب الْأَعْلَى على الْأَدْنَى
ثمَّ ذكر أَن مصرف طعامهم إِلَى الْمِسْكِين واليتيم والأسير الَّذين لَا قُوَّة لَهُم ينصرونهم بهَا وَلَا مَال لَهُم يكافئونهم بِهِ وَلَا أهل وَلَا عشيرة يتوقعون مِنْهُم مكافأتهم كَمَا يَقْصِدهُ أهل لدُنْيَا والمعاوضون بانفاقهم واطعامهم
ثمَّ أخبر عَنْهُم أَنهم إِنَّمَا فعلوا ذَلِك لوجه الله وَأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ من أطعموه عوضا من أَمْوَالهم وَلَا ثَنَاء عَلَيْهِم بألسنتهم كَمَا يُريدهُ من لَا اخلاص لَهُ باحسانه إِلَى النَّاس من معاوضتهم أَو الشكُور مِنْهُم فتضمن ذَلِك الْمحبَّة والاخلاص والاحسان
ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَنْهُم بِمَا صدقهم عَلَيْهِ قبل أَن يقولوه حَيْثُ قَالُوا ﴿إِنَّا نَخَاف من رَبنَا يَوْمًا عبوسا قمطريرا﴾ الْآيَة ١٠ فَصَدَّقَهُمْ قبل قَوْلهم إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿يُوفونَ بِالنذرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا﴾ الْآيَة ٧ ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ وقاهم شَرّ مَا يخافونه ولقاهم فَوق مَا كَانُوا يأملونه
وَذكر سُبْحَانَهُ أَصْنَاف النَّعيم الَّذِي حباهم بِهِ من المساكن والملابس والمجالس وَالثِّمَار
وَالشرَاب والخدم وَالنَّعِيم وَالْملك الْكَبِير
وَلما كَانَ فِي الصَّبْر من حبس النَّفس والخشونة الَّتِي تلْحق الظَّاهِر وَالْبَاطِن من التَّعَب وَالنّصب والحرارة مَا فِيهِ كَانَ الْجَزَاء عَلَيْهِ بِالْجنَّةِ الَّتِي فِيهَا السعَة وَالْحَرِير الَّذِي فِيهِ اللين والنعومة والاتكاء الَّذِي يتَضَمَّن الرَّاحَة والظلال المنافية للْحرّ
ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ لون ملابس (الابرار) وَإِنَّهَا ثِيَاب سندس خضر واستبرق وحليتهم وَأَنَّهَا أساور من فضَّة فَهَذِهِ زِينَة ظواهرهم ثمَّ ذكر زينه بواطنهم وَهُوَ الشَّرَاب الطّهُور وَهُوَ بِمَعْنى التَّطْهِير
فَإِن قيل فَلم اقْتصر من آنيتهم وحليتهم على الْفضة دون الذَّهَب وَمَعْلُوم ان الْجنان جنتان من فضَّة آنيتهما وحليتهما وَمَا فيهمَا وجنتان من ذهب آنتيهما وحليتهما وَمَا فيهمَا
قيل سِيَاق هَذِه الْآيَات إِنَّمَا هُوَ فِي وصف الْأَبْرَار ونعيمهم مفصلا دون تَفْصِيل جَزَاء المقربين فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَشَارَ اليه أشارة تنبه على مَا سكت عَنهُ وَهُوَ أَن شراب الْأَبْرَار يمزج من شرابهم
فالسورة مسوقة بِصفة الْأَبْرَار وجزائهم على التَّفْصِيل وَذَلِكَ وَالله أعلم لأَنهم أَعم من المقربين وَأكْثر مِنْهُم وَلِهَذَا يخبر سُبْحَانَهُ عَنْهُم بِأَنَّهُم ثلة من الْأَوَّلين وثلة من الآخرين وَعَن المقربين السَّابِقين بِأَنَّهُم ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين
وَأَيْضًا فَإِن فِي ذكر جَزَاء الْأَبْرَار تَنْبِيها على أَن جَزَاء المقربين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذك أهل الْكفْر وَأهل الشُّكْر وَأهل الشُّكْر نَوْعَانِ أبرار أهل يَمِين ومقربون سَابِقُونَ وكل مقرب سَابق فَهُوَ من الابرار وَلَا ينعكس فاسم الابرار والمقربين كاسم الاسلام والايمان أَحدهمَا أَعم من الآخر
وَأَيْضًا فَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أخبر أَن هَذَا جَزَاء سَعْيهمْ المشكور وكل من الابرار والمقربين سَعْيهمْ مشكور فَذكر سُبْحَانَهُ السَّعْي المشكور وَالسَّعْي المسخوط
ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ نبيه ﷺ بِمَا أنعم عَلَيْهِ من تَنْزِيل الْقُرْآن عَلَيْهِ وَأمره بِأَن يصبر لحكمه وَهُوَ يعم الحكم الديني الَّذِي أمره بِهِ فِي نَفسه وَأمره بتبليغه وَالْحكم الكوني الَّذِي يجْرِي عَلَيْهِ من ربه فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ امتحن عباده وابتلاهم بأَمْره وَنَهْيه وَهُوَ حكمه الديني وابتلاهم بِقَضَائِهِ وَقدره وَهُوَ حكمه الكوني وَفرض عَلَيْهِم الصَّبْر على كل وَاحِد من الْحكمَيْنِ وَإِن كَانَ الحكم الديني فِي هَذِه الْآيَة أظهر ارادة وَأَنه أَمر بِالصبرِ على تبليغه وَالْقِيَام بحقوقه
وَلما كَانَ صبره عَلَيْهِ لَا يتم بمخالفته لمن دَعَاهُ إِلَى خِلَافه من كل آثم أَو كفور نَهَاهُ عَن طَاعَة هَذَا وَهَذَا وأتى بِحرف أَو دون الْوَاو ليدل على أَنه منهى عَن طَاعَة أَيهمَا كَانَ أما هَذَا وَأما هَذَا فَكَأَنَّهُ قيل لَهُ لَا تُطِع أَحدهمَا وَهُوَ أَعم فِي النَّهْي من كَونه مَنْهِيّا عَن طاعتهما فَإِنَّهُ لَو قيل لَهُ لَا تطعهما أَو لَا تُطِع آثِما وكفورا لم يكن صَرِيحًا فِي النَّهْي عَن طَاعَة كل مِنْهُمَا بمفرده
وَلما كَانَ لَا سَبِيل إِلَى الصَّبْر إِلَّا بتعويض الْقلب بِشَيْء هُوَ أحب إِلَيْهِ من فَوَات مَا يصبر عَلَيْهِ فَوته أمره بِأَن يذكر ربه سُبْحَانَهُ بكرَة وَأَصِيلا فَإِن ذكره أعظم العون على تحمل مشاق الصَّبْر وَأَن يصبر لرَبه بِاللَّيْلِ فَيكون قِيَامه بِاللَّيْلِ عونا على مَا هُوَ بصدده بِالنَّهَارِ ومادة لقُوته ظَاهرا وَبَاطنا ولنعيمه عَاجلا وآجلا
ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَمَّا يمْنَع العَبْد من إِيثَار مَا فِيهِ سعادته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ حب العاجلة وإيثارها على الْآخِرَة تَقْدِيمًا لداعي الْحس على دَاعِي الْعقل
ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ خلقهمْ واحكامه واتقانه بِمَا شدّ من أسرهم وَهُوَ ائتلاف الاعضاء والمفاصل والأوصال وَمَا بَينهَا من الرباطات وَشد بَعْضهَا بِبَعْض وَحَقِيقَته الْقُوَّة وَمِنْه قَول الشَّاعِر
.. من كل مجتنب شَدِيد أسره ... سَلس القياد تخاله مختالا ...
وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا فِيمَا لَهُ شدّ ورباط وَمِنْه الاسار وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ الْأَسير
ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَنه قَادر على أَن يُبدل امثالهم بعد مَوْتهمْ وَأَنه شَاءَ ذَلِك فعله واذا للمحقق فَهَذَا التبديل وَاقع لَا محَالة فَهُوَ الاعادة الَّتِي هِيَ مثل الْبدَاءَة
هَذَا هُوَ معنى الْآيَة وَمن قَالَ غير ذَلِك لم يصب مَعْنَاهَا وَلَا توحشك لَفْظَة الْمثل فَإِن الْمعَاد مثل للمبدوء وَإِن كَانَ هُوَ بِعَيْنِه فَهُوَ معاد أَو هُوَ مثله من جِهَة الْمُغَايرَة بَين كَونه مبدءا ومعادا وَهَذَا كَالدَّارِ إِذا تهدمت وأعيدت بِعَينهَا فَهِيَ الأولى وَكَذَلِكَ الصَّلَاة الْمُعَادَة هِيَ الأولى وَهِي مثلهَا
وَقد نطق الْقُرْآن بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يعيدهم وَيُعِيد امثالهم إِذا شَاءَ وَكِلَاهُمَا وَاحِد فَقَالَ ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾ سُورَة الْأَعْرَاف ٢٩ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وإلينا ترجعون﴾ سُورَة الانبياء ٣٥ وَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ سُورَة الرّوم ٢٧ وَقَالَ ﴿أَو لَيْسَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِقَادِر على أَن يخلق مثلهم بلَى وَهُوَ الخلاق الْعَلِيم﴾ سُورَة يس ٨١ وَقَالَ ﴿إِنَّا لقادرون﴾ ﴿على أَن نبدل أمثالكم وننشئكم فِي مَا لَا تعلمُونَ وَلَقَد علمْتُم النشأة الأولى فلولا تذكرُونَ﴾ سُورَة الْوَاقِعَة ٦١ ٦٣
فَهَذَا كُله معاد الْأَبدَان وَقد صرح سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ خلق جَدِيد فِي موضِعين من كِتَابه وَهَذَا الْخلق الْجَدِيد هُوَ الْمثل
ثمَّ ختم سُبْحَانَهُ السُّورَة بِالشَّرْعِ وَالْقدر كَمَا افتتحها بالخلق وَالْهِدَايَة فَقَالَ ﴿فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا﴾ الْآيَة ٢٩ فَهَذَا شَرعه وَمحل أمره وَنَهْيه ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ الْآيَة ٣٠ فَهَذَا قَضَاؤُهُ وَقدره ثمَّ ذكر الاسمين الموجبين
للتخصيص وهما اسْم الْعَلِيم الْحَكِيم
وَقَوله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَأخْبر أَن مشيئتهم مَوْقُوفَة على مشيته وَمَعَ هَذَا فَلَا يُوجب ذَلِك حُصُول الْفِعْل مِنْهُم إِذْ أَكثر مَا فِيهِ أَنه جعلهم شائين وَلَا يَقع الْفِعْل إِلَّا حِين يشاؤه مِنْهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن شَاءَ ذكره وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ سُورَة المدثر ٥٥ ٥٦ وَقَالَ ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ سُورَة التكوير ٢٨ ٢٩ وَمَعَ هَذَا فَلَا يَقع الْفِعْل مِنْهُم حَتَّى يُرِيد من نَفسه اعانتهم وتوفيقهم
فَهُنَا أَربع ارادات ارادة الْبَيَان وارادة الْمَشِيئَة وارادة الْفِعْل وارادة الاعانة وَالله أعلم
آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا
فصل
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ لَا يدل على أَن العَبْد لَيْسَ بفاعل لفعله الِاخْتِيَارِيّ وَلَا أَنه لَيْسَ بِقَادِر عَلَيْهِ وَلَا أَنه لَيْسَ بمريد بل يدل على أَنه لَا يشاؤه الا من يَشَاء الله وَهَذِه الْآيَة رد على الطَّائِفَتَيْنِ الْمُجبرَة والجهمية والمعتزلة الْقَدَرِيَّة فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ فَاثْبتْ للْعَبد مَشِيئَة وفعلا ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ فَبين ان مَشِيئَة معلقه بِمَشِيئَة الله وَالْأولَى رد على الجبرية وَهَذِه رد على الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ قد يَشَاء العَبْد مَا لَا يشاؤه الله كَمَا يَقُولُونَ ان الله يَشَاء مَا لَا يشاؤون
وَإِذا قَالُوا المُرَاد بِالْمَشِيئَةِ هُنَا الْأَمر على أصلهم وَالْمعْنَى وَمَا يشاؤون فعل مَا أَمر الله بِهِ ان لم يَأْمر الله بِهِ قيل سِيَاق الْآيَة يبين انه لَيْسَ المُرَاد هَذَا بل المُرَاد وَمَا تشاؤون بعد ان امرتم بِالْفِعْلِ ان تفعلوه الا أَن يَشَاء الله فَإِنَّهُ تَعَالَى ذكر الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَقَوله ﴿وَمَا تشاؤون﴾ نفي لمشيئتهم فِي الْمُسْتَقْبل وَكَذَلِكَ قَوْله الا ان يَشَاء الله تَعْلِيق لَهَا بِمَشِيئَة الرب فِي الْمُسْتَقْبل فَإِن حرف (أَن) تخلص الْفِعْل الْمُضَارع للاستقبال فَالْمَعْنى الا أَن يَشَاء بعد ذَلِك والامر مُتَقَدم على ذَلِك وَهَذَا كَقَوْل الانسان لَا افْعَل هَذَا الا ان يَشَاء الله
وَقد اتّفق السّلف وَالْفُقَهَاء على أَن من حلف فَقَالَ لأصلين غَدا ان شَاءَ الله أَو لأقضين ديني غَدا إِن شَاءَ الله وَمضى الْغَد وَلم يقضه أَنه لَا يَحْنَث وَلَو كَانَت الْمَشِيئَة هِيَ الْأَمر لحنث لِأَن الله أمره بذلك وَهَذَا مِمَّا احْتج بِهِ على الْقَدَرِيَّة وَلَيْسَ لَهُم عَنهُ جَوَاب وَلِهَذَا خرق بَعضهم الاجماع الْقَدِيم وَقَالَ انه يَحْنَث
و(ايضا) فَقَوله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ سيق لبَيَان مدح الرب وَالثنَاء عَلَيْهِ بِبَيَان قدرته وَبَيَان حَاجَة الْعباد إِلَيْهِ وَلَو كَانَ المُرَاد لَا يَفْعَلُونَ الا أَن يَأْمُركُمْ لَكَانَ كل امْر بِهَذِهِ المثابة فَلم يكن ذَلِك من خَصَائِص الرب الَّتِي يمدح بهَا وان اريد انهم لَا يَفْعَلُونَ الا بأَمْره كَانَ هَذَا مدحا لَهُم لَا لَهُ
(٢٢)
فصل فِي قَوْله النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح بَدَأَ الاسلام غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا كَمَا بَدَأَ فطوبى للغرباء
لَا يَقْتَضِي هَذَا أَنه إِذا صَار غَرِيبا يجوز تَركه وَالْعِيَاذ بِاللَّه بل الْأَمر كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ آل عمرَان ٣ ٨٥ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ آل عمرَان ٣ ١٩ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ آل عمرَان ٣ ١٠٢ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب يَا بني إِن الله اصْطفى لكم الدّين فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ الْبَقَرَة ٢ ١٣٠ ١٣٢
وَقد بسطنا الْكَلَام على هَذَا فِي مَوضِع آخر وَبينا أَن الانبياء كلهم كَانَ دينهم الاسلام الصَّحِيح حَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ان الله نظر إِلَى أهل الأَرْض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من أهل الْكتاب الحَدِيث
وَلَا يَقْتَضِي هَذَا أَنه أذا صَار غَرِيبا أَن المتمسك بِهِ يكون فِي شَرّ بل هُوَ أسعد النَّاس كَمَا قَالَ فِي تَمام الحَدِيث فطوبى للغرباء وطوبى من الطّيب قَالَ تَعَالَى ﴿طُوبَى لَهُم وَحسن مآب﴾
الرَّعْد ١٣ ٢٩ فَإِنَّهُ يكون من جنفى السَّابِقين الْأَوَّلين الَّذين اتَّبعُوهُ لما كَانَ غَرِيبا وهم أسعد النَّاس أما فِي الْآخِرَة فهم أَعلَى النَّاس دَرَجَة بعد الانبياء ﵈
وَأما فِي الدُّنْيَا فقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ الانفال ٨ ٦٤ أَي ان الله حَسبك وَحسب متبعك وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن وليي الله الَّذِي نزل الْكتاب وَهُوَ يتَوَلَّى الصَّالِحين﴾ الْأَعْرَاف ٧ ١٩٦ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ الزمر ٣٩ ٣٦ وَقَالَ ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه﴾ الطَّلَاق ٦٥ ٢ ٣ فالمسلم المتبع للرسول الله تَعَالَى حَسبه وكافيه وَهُوَ وليه حَيْثُ كَانَ وَمَتى كَانَ
وَلِهَذَا يُوجد الْمُسلمُونَ المتمسكون بالاسلام فِي بِلَاد الْكفْر لَهُم السَّعَادَة كلما كَانُوا أتم تمسكا بالاسلام فَإِن دخل عَلَيْهِم شَرّ كَانَ بِذُنُوبِهِمْ حَتَّى ان الْمُشْركين وَأهل الْكتاب إِذا رَأَوْا الْمُسلم الْقَائِم بالاسلام عظموه وأكرموه وأعفوه من الْأَعْمَال الَّتِي يستعملون بهَا المنتسبين إِلَى ظَاهر الاسلام من غير عمل بحقيقته لم يكرم
وَكَذَلِكَ كَانَ الْمُسلمُونَ فِي أول الاسلام وَفِي كل وَقت
فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يحصل للنَّاس فِي الدُّنْيَا شَرّ وَللَّه على عباده نعم لَكِن الشَّرّ الَّذِي يُصِيب الْمُسلم أقل وَالنعَم الَّتِي تصل إِلَيْهِ أَكثر فَكَانَ الْمُسلمُونَ فِي أول الاسلام وان ابتلوا بأذى الْكفَّار وَالْخُرُوج من الديار فَالَّذِي حصل للْكفَّار الْهَلَاك كَانَ أعظم بِكَثِير وَالَّذِي كَانَ يحصل للْكفَّار من عز أَو مَال كَانَ يحصل للْمُسلمين أَكثر مِنْهُ حَتَّى من الاجانب
فَرَسُول الله ﷺ مَعَ مَا كَانَ الْمُشْركُونَ يسعون فِي أَذَاهُ بِكُل طرق كَانَ الله يدْفع عَنهُ ويعزه ويمنعه وينصره من حَيْثُ كَانَ أعز قُرَيْش مَا مِنْهُم الا من كَانَ يحصل لَهُ من يُؤْذِيه ويهينه من لَا يُمكنهُ دَفعه إِذْ لكل كَبِير كَبِير يناظره ويناويه ويعاديه وَهَذِه حَال من
فصل سُورَة اللَّيْل (معنى آيَة ﴿إِن علينا للهدى﴾ ونظيريها من سورتي الْحجر والنحل وَبَيَان اغلاط الْمُفَسّرين فِيهَا)
قَالَ شيخ الاسلام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلَام بن تَيْمِية الْحَرَّانِي قدس الله روحه وَنور ضريحه ورحمه
فصل فِي آيَات ثَلَاث متناسبة متشابهة اللَّفْظ وَالْمعْنَى يخفى مَعْنَاهَا على أَكثر النَّاس
قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ الْحجر ١٥ ٤١ ٤٢
وَقَوله تَعَالَى ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل وَمِنْهَا جَائِر﴾ النَّحْل ١٦ ٦ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن علينا للهدى وَإِن لنا للآخرة وَالْأولَى﴾ اللَّيْل ٩٢ ١٢ ١٣ فَلفظ هَذِه الْآيَات فِيهِ أَن السَّبِيل الْهَادِي هُوَ على الله
وَقد ذكر أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي الْآيَة الأولى ثَلَاثَة أَقْوَال بِخِلَاف الْآيَتَيْنِ الآخريين فَإِنَّهُ لم يذكر فيهمَا إِلَّا قَوْله وَاحِدًا فَقَالَ فِي تِلْكَ الْآيَة اخْتلفُوا فِي معنى هَذَا الْكَلَام على ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا انه يَعْنِي بقوله هَذَا الاخلاص فَالْمَعْنى أَن الاخلاص طَرِيق إِلَيّ مُسْتَقِيم وعَلى بِمَعْنى إِلَى
وَالثَّانِي هَذَا طَرِيق عَليّ جَوَازه لِأَنِّي بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم وَهُوَ خَارج مخرج الْوَعيد كَمَا تَقول للرجل تخاصمه طريقك عَليّ فَهُوَ كَقَوْلِه ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ الْفجْر ٨٩ ١٤
وَالثَّالِث هَذَا صِرَاط على استقامته أَي أَنا ضَامِن لاستقامته بِالْبَيَانِ والبرهان قَالَ وَقَرَأَ قَتَادَة وَيَعْقُوب (هَذَا صِرَاط عَليّ) أَي رفيع
(قلت) هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة قد ذكرهَا من قبله كَالثَّعْلَبِيِّ والواحدي وَالْبَغوِيّ وَذكروا قولا رَابِعا فَقَالُوا وَاللَّفْظ لِلْبَغوِيِّ وَهُوَ مُخْتَصر الثَّعْلَبِيّ
قَالَ الْحسن مَعْنَاهُ صِرَاط إِلَى مُسْتَقِيم وَقَالَ مُجَاهِد الْحق يرجع إِلَيّ وَعَلِيهِ طَرِيقه لَا يعرج على شَيْء
وَقَالَ الاخفش يَعْنِي على الدّلَالَة على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم
وَقَالَ الْكسَائي هَذَا على التهديد والوعيد كَمَا يَقُول الرجل لمن يخاصمه طريقك عَليّ أَي لَا تفلت مني كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾
وَقيل مَعْنَاهُ على استقامته بِالْبَيَانِ والبرهان والتوفيق وَالْهِدَايَة
فَذكرُوا الْأَقْوَال الثَّلَاثَة وَذكروا قَول الاخفش على الدّلَالَة على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَهُوَ يشبه القَوْل الْأَخير لَكِن بَينهمَا فرق فَإِن ذَاك يَقُول على استقامته بِإِقَامَة الْأَدِلَّة فَمن سلكه كَانَ على صِرَاط مُسْتَقِيم وَالْآخر يَقُول أَن أدل الْخلق عَلَيْهِ بِإِقَامَة الْحجَج فَفِي كلا الْقَوْلَيْنِ أَنه بَين الصِّرَاط الْمُسْتَقيم بِنصْف الْأَدِلَّة لَكِن هَذَا جعل عَلَيْهِ الدّلَالَة عَلَيْهِ وَهَذَا جعل عَلَيْهِ استقامته أَي بَيَان استقامته وهما متلازمان وَلِهَذَا وَالله أعلم لم يَجعله أَبُو الْفرج قولا رَابِعا
وَذكروا الْقِرَاءَة الْأُخْرَى عَن يَعْقُوب وَغَيره أَي رفيع قَالَ الْبَغَوِيّ وَعبر بَعضهم عَنهُ رفيع أَن ينَال مُسْتَقِيم أَن يمال
(قلت) القَوْل الصَّوَاب هُوَ قَول أَئِمَّة السّلف قَول مُجَاهِد وَنَحْوه فَإِنَّهُم أعلم بمعاني الْقُرْآن لَا سِيمَا مُجَاهِد فَإِنَّهُ قَالَ عرضت الْمُصحف على ابْن عَبَّاس من فاتحته إِلَى خاتمته أقفه عِنْد كل آيَة وأسأله عَنْهَا وَقَالَ الثَّوْريّ إِذا جَاءَك التَّفْسِير عَن مُجَاهِد فحسبك بِهِ وَالْأَئِمَّة كالشافعي وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَنَحْوهم يعتمدون على تَفْسِيره وَالْبُخَارِيّ فِي صَحِيحَة أَكثر مَا يَنْقُلهُ من التَّفْسِير يَنْقُلهُ عَنهُ
وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَعلَى التَّابِعين بِالْبَصْرَةِ
وَمَا ذَكرُوهُ عَن مُجَاهِد ثَابت عَنهُ رَوَاهُ النَّاس كَابْن أبي حَاتِم وَغَيره من تَفْسِير وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله (هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم) الْحق يرجع الى الله وَعَلِيهِ طَريقَة لَا يعرج على شَيْء
وَذكر عَن قَتَادَة أَنه فَسرهَا على قِرَاءَته وَهُوَ يقْرَأ عَليّ فَقَالَ أَي رفيع مُسْتَقِيم
وَكَذَلِكَ ذكر ابْن أبي حَاتِم عَن السّلف أَنهم فسروا آيَة النَّحْل فروى من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد قَوْله ﴿قصد السَّبِيل﴾ قَالَ طَرِيق الْحق على الله قَالَ وروى السّديّ أَنه قَالَ الاسلام وَعَطَاء قَالَ هِيَ طَرِيق الْجنَّة
فَهَذِهِ الْأَقْوَال قَول مُجَاهِد وَالسُّديّ وَعَطَاء فِي هَذِه الْآيَة هِيَ مثل قَول مُجَاهِد وَالْحسن فِي تِلْكَ الْآيَة
وَذكر ابْن أبي الحاتم من تَفْسِير الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ يَقُول على الله الْبَيَان أَن يبين الْهدى والضلالة
وَذكر ابْن أبي حَاتِم فِي هَذِه الْآيَة قَوْلَيْنِ وَلم يذكر فِي آيَة الْحجر إِلَّا قَول مُجَاهِد فَقَط
وَابْن الْجَوْزِيّ لم يذكر فِي آيَة النَّحْل إِلَّا هَذَا القَوْل الثَّانِي وَذكره عَن الزجاح فَقَالَ
﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ الْقَصْد استقامة الطَّرِيق يُقَال طَرِيق قصد وقاصد إِذا قصد بك إِلَى مَا تُرِيدُ قَالَ الزّجاج الْمَعْنى وعَلى الله تَبْيِين الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَالدُّعَاء إِلَيْهِ بالحجج والبراهين
وَكَذَلِكَ الثَّعْلَبِيّ وَالْبَغوِيّ وَنَحْوهمَا لم يذكرُوا إِلَّا هَذَا القَوْل لَكِن ذَكرُوهُ باللفظين
قَالَ الْبَغَوِيّ يَعْنِي بَيَان طَرِيق الْهدى من الضَّلَالَة وَقيل بَيَان الْحق بِالْآيَاتِ والبراهين
قَالَ وَالْقَصْد الصِّرَاط الْمُسْتَقيم و﴿وَمِنْهَا جَائِر﴾ يَعْنِي وَمن السَّبِيل مَا هُوَ جَائِر عَن الاسْتقَامَة معوج فالقصد من السَّبِيل دين الاسلام والجائر مِنْهَا الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَسَائِر ملل الْكفْر قَالَ جَابر بن عبد الله قصد السَّبِيل بَيَان الشَّرَائِع والفرائض وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك وَسَهل بن عبد الله قصد السَّبِيل السّنة (وَمِنْهَا جَائِر) الْأَهْوَاء والبدع وَدَلِيله قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾ الْأَنْعَام ٦ ١٥٣
وَلَكِن الْبَغَوِيّ ذكر فِيهَا القَوْل الآخر ذكره فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿إِن علينا للهدى﴾ اللَّيْل عَن الْقُرَّاء كَمَا سَيَأْتِي فقد ذكر الْقَوْلَيْنِ فِي الْآيَات الثَّلَاث تبعا لمن قبله كَالثَّعْلَبِيِّ وَغَيره
والمهدوي ذكر فِي الْآيَة الأولى قَوْلَيْنِ من الثَّلَاثَة وَذكر فِي الثَّانِيَة مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيّ وقولا آخر فَقَالَ
قَوْله ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم﴾ أَي على أَمْرِي وارادتي وَقيل هُوَ على التهديد كَمَا يُقَال على طريقك وَإِلَى مصيرك
وَقَالَ فِي قَوْله ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس أَي بَيَان الْهدى من الضلال وَقيل السَّبِيل الاسلام وَمِنْهَا جَائِر أَي وَمن السبل جَائِر أَي عَادل عَن الْحق وَقيل الْمَعْنى وعنها جَائِر أَي عَن السَّبِيل ف من بِمَعْنى عَن
وَقيل معنى قصد السَّبِيل سيركم ووجوعكم والسبيل وَاحِدَة بِمَعْنى الْجمع
(قلت) هَذَا قَول بعض الْمُتَأَخِّرين جعل الْقَصْد بِمَعْنى الارادة أَي عَلَيْهِ قصدكم للسبيل فِي ذهابكم ورجوعكم وَهُوَ كَلَام من لم يفهم الْآيَة فَإِن السَّبِيل الْقَصْد هِيَ السَّبِيل العادلة أَي عَلَيْهِ السَّبِيل الْقَصْد والسبيل اسْم جنس وَلِهَذَا قَالَ وَمِنْهَا جَائِر أَي عَلَيْهِ الْقَصْد من السَّبِيل وَمن السَّبِيل جَائِر فاضافة إِلَى اسْم الْجِنْس إِضَافَة النَّوْع إِلَى الْجِنْس أَي الْقَصْد من السَّبِيل كَمَا تَقول ثوب خَز وَلِهَذَا قَالَ وَمِنْهَا جَائِر
وَأما من ظن أَن التَّقْدِير قصدكم السَّبِيل فَهَذَا لَا يُطَابق لفظ الْآيَة ونظمها من وجود مُتعَدِّدَة
وَابْن عَطِيَّة لم يذكر فِي آيَة الْحجر إِلَّا قَول الْكسَائي وَهُوَ أَضْعَف الْأَقْوَال وَذكر الْمَعْنى الصَّحِيح تَفْسِير للْقِرَاءَة الْأُخْرَى فَذكر أَن جمَاعَة من السّلف قرأوا على مُسْتَقِيم من الْعُلُوّ والرفعة قَالَ والاشارة بِهَذَا على هَذِه الْقِرَاءَة إِلَى الاخلاص لما اسْتثْنى ابليس من أخْلص قَالَ الله لَهُ هَذَا الاخلاص طَرِيق رفيع مُسْتَقِيم لَا تنَال أَنْت باغوائك أَهله
قَالَ وَقَرَأَ جُمْهُور النَّاس على مُسْتَقِيم والاشارة بِهَذَا على هَذِه الْقِرَاءَة إِلَى انقسام النَّاس إِلَى غاو ومخلص لما قسم ابليس هذَيْن الْقسمَيْنِ قَالَ الله هَذَا طَرِيق عَليّ أَي هَذَا أَمر إِلَى مصيره وَالْعرب تَقول طريقك فِي هَذَا الْأَمر على فلَان أَي اليه يصير النّظر فِي أَمرك وَهَذَا نَحْو قَوْله ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ قَالَ وَالْآيَة على هَذِه الْقِرَاءَة خبر يتَضَمَّن وعيدا
(قلت) هَذَا قَول لم ينْقل عَن أحد من عُلَمَاء التَّفْسِير لَا فِي هَذِه الْآيَة وَلَا فِي نظيرها وَإِنَّمَا قَالَه الْكسَائي لما أشكل عَلَيْهِ معنى الْآيَة الَّذِي فهمه السّلف وَدلّ عَلَيْهِ السِّيَاق والنظائر
وَكَلَام الْعَرَب لَا يدل على هَذَا القَوْل فَإِن الرجل وَإِن كَانَ يَقُول لمن يتهدده ويتوعده على طريقك فَإِنَّهُ لَا يَقُول إِن طريقك مُسْتَقِيم
وَأَيْضًا فالوعيد إنم يكون للمسيء لَا يكون للمخلصين فَكيف يكون قَوْله هَذَا إِشَارَة إِلَى انقسام النَّاس إِلَى غاو ومخلص وَطَرِيق هَؤُلَاءِ غير طَرِيق هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ سلكوا الطَّرِيق الْمُسْتَقيم الَّتِي تدل على الله وَهَؤُلَاء سلكوا السَّبِيل الجائرة
وَأَيْضًا فَإِنَّمَا يَقُول لغيره فِي التهديد طريقك عَليّ من لَا يقدر عَلَيْهِ فِي الْحَال لَكِن ذَاك يمر
بِنَفسِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَمَكن مِنْهُ كَمَا كَانَ أهل الْمَدِينَة يتوعدون أهل مَكَّة بِأَن طريقكم علينا لما تهددوهم بأنكم آويتم مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه كَمَا قَالَ أَبُو جهل لسعد بن معَاذ لما ذهب سعد إِلَى مَكَّة إِلَّا أَرَاك تَطوف بِالْبَيْتِ أمنا وَقد آويتم الصباة وزعمتم أَنكُمْ تنصرونهم فَقَالَ لَئِن منعتني هَذَا لأمنعنك مَا هُوَ أَشد عَلَيْك مِنْهُ طريقك على الْمَدِينَة أَو نَحْو هَذَا
فَذكر أَن طريقهم فِي متجرهم إِلَى الشَّام عَلَيْهِم فيتمكنون حِينَئِذٍ من جزائهم
وَمثل هَذَا الْمَعْنى لَا يُقَال فِي حق الله تَعَالَى فَإِن الله قَادر على الْعباد حَيْثُ كَانُوا كَمَا قَالَت الْجِنّ ﴿وَأَنا ظننا أَن لن نعجز الله فِي الأَرْض وَلنْ نعجزه هربا﴾ الْجِنّ ٧٢ ١٣ وَقَالَ ﴿وَمَا أَنْتُم بمعجزين فِي الأَرْض﴾ العنكبوت ٢٩ ٢٢
فلَان أَي إِلَيْهِ يصير أَمرك فَهَذَا يُطَابق تَفْسِير مُجَاهِد وَغَيره من السّلف كَمَا قَالَ مُجَاهِد الْحق يرجع إِلَى الله وَعَلِيهِ طَرِيقه لَا يعرج على شَيْء فطريق الْحق على الله وَهُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الَّذِي قَالَ الله فِيهِ ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم﴾ كَمَا فسرت بِهِ الْقِرَاءَة الْأُخْرَى
فالصراط فِي القرائتين هَذَا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الَّذِي أَمر الله الْمُؤمنِينَ أَن يسألوه اياه فِي صلَاتهم فيقولوا ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ وَهُوَ الَّذِي وصّى بِهِ فِي قَوْله ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ الْأَنْعَام
وَقَوله هَذَا إِشَارَة إِلَى مَا تقدم ذكره وَهُوَ قَوْله ﴿إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ الْحجر ١٥ ٤٠ فتعبد الْعباد لَهُ باخلاص الدّين لَهُ طَرِيق يدل عَلَيْهِ وَهُوَ طَرِيق مُسْتَقِيم وَلِهَذَا قَالَ بعده ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ الْحجر ١٥ ٤٢
وَابْن عَطِيَّة ذكر أَن هَذَا معنى الْآيَة فِي تَفْسِير الْآيَة الْأُخْرَى مستشهدا بِهِ مَعَ أَنه لم يذكرهُ فِي تَفْسِيرهَا فَهُوَ بفطرته عرف أَن هَذَا معنى الْآيَة وَلكنه لما فَسرهَا ذكر ذَلِك القَوْل كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي اتّفق أَن رأى غَيره قد قَالَه هُنَاكَ فَقَالَ ﵀
فصل (فِي معنى السَّبِيل)
وَقَوله ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل وَمِنْهَا جَائِر﴾ وَهَذِه أَيْضا من أجل نعم الله تَعَالَى أَي على الله تَقْوِيم طَرِيق الْهدى وتبيينه وَذَلِكَ نصب الْأَدِلَّة وَبعث الرُّسُل وَإِلَى هَذَا ذهب المتأولون
قَالَ وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى أَن من سلك السَّبِيل القاصد فعلى الله طَرِيقه وَإِلَى ذَلِك مصيره فَيكون هَذَا مثل قَوْله ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم﴾ وضد قَول النَّبِي ﷺ وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك أَي لَا يُفْضِي إِلَى رحمتك وَطَرِيق قَاصد مَعْنَاهُ بَين مُسْتَقِيم قريب وَمِنْه قَول الراجز
قصد عَن نهج الطَّرِيق القاصد
قَالَ وَالْألف وَاللَّام فِي السَّبِيل للْعهد وَهِي سَبِيل الشَّرْع وَلَيْسَت للْجِنْس وَلَو كَانَت للْجِنْس لم يكن مِنْهَا جَائِر وَقَوله ﴿وَمِنْهَا جَائِر﴾ يُرِيد طَرِيق الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيرهم كعباد الاصنام وَالضَّمِير فِي مِنْهَا يعود على السَّبِيل الَّتِي يتضمنها معنى الْآيَة كَأَنَّهُ قَالَ وَمن السَّبِيل جَائِر فَأَعَادَ عَلَيْهَا وان كَانَ لم يجر لَهَا ذكر لتضمن لَفْظَة السَّبِيل بِالْمَعْنَى لَهَا
قَالَ وَيحْتَمل أَن يكون الضَّمِير فِي مِنْهَا على سَبِيل الشَّرْع الْمَذْكُورَة وَيكون من للتَّبْعِيض وَيكون المُرَاد فرق الضَّلَالَة من أمة مُحَمَّد كَأَنَّهُ قَالَ وَمن بَيِّنَات الطّرق من هَذِه السَّبِيل وَمن شعبها جَائِر
(قلت) سَبِيل أهل الْبدع جائرة خَارِجَة عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فِيمَا ابتدعوا فِيهِ وَلَا يُقَال ان ذَلِك من السَّبِيل الْمَشْرُوعَة
وَأما قَوْله إِن قَوْله ﴿قصد السَّبِيل﴾ هِيَ سَبِيل الشَّرْع وَهِي سَبِيل الْهدى والصراط الْمُسْتَقيم وَأَنَّهَا لَو كَانَت للْجِنْس لم يكن مِنْهَا جَائِر فَهَذَا أحد الْوَجْهَيْنِ فِي دلَالَة الْآيَة وَهُوَ مَرْجُوح وَالصَّحِيح الْوَجْه الآخر أَن السَّبِيل اسْم جنس وَلَكِن الَّذِي على
الله هُوَ الْقَصْد مِنْهَا وَهِي سَبِيل وَاحِد ولماكان جِنْسا قَالَ ﴿وَمِنْهَا جَائِر﴾ وَالضَّمِير يعود على مَا ذكر بِلَا تكلّف
وَقَوله لَو كَانَ للْجِنْس لم يكن مِنْهَا جَائِر لَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهَا لَيست كلهَا عَلَيْهِ بل إِنَّمَا عَلَيْهِ الْقَصْد مِنْهَا وَهِي سَبِيل الْهدى والجائر لَيْسَ من الْقَصْد وَكَأَنَّهُ ظن أَنه إِذا كَانَت للْجِنْس يكون عَلَيْهِ قصد كل سَبِيل وَلَيْسَ كَذَلِك بل إِنَّمَا عَلَيْهِ سَبِيل وَاحِدَة وَهِي الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَهِي الَّتِي تدل عَلَيْهِ وسائرها سَبِيل الشَّيْطَان كَمَا قَالَ ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾
وَقد أحسن ﵀ فِي هَذَا الِاحْتِمَال وَفِي تمثيله ذَلِك بقوله ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم﴾
وَأما آيَة اللَّيْل قَوْله ﴿إِن علينا للهدى﴾ فَابْن عَطِيَّة مثلهَا بِهَذِهِ الْآيَة لكنه فَسرهَا بِالْوَجْهِ الأول فَقَالَ
ثمَّ أخبر تَعَالَى أَن عَلَيْهِ هدى النَّاس جَمِيعًا أَي تعريفهم بالسبل كلهَا ومنحهم الْإِدْرَاك كَمَا قَالَ ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ ثمَّ كل أحد يتكسب مَا قدر لَهُ وَلَيْسَت هَذِه الْهِدَايَة بالارشاد إِلَى الْإِيمَان وَلَو كَانَ كَذَلِك لم يُوجد كَافِر
(قلت) وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره ابْن الْجَوْزِيّ وَذكره عَن الزّجاج قَالَ الزّجاج ان علينا أَن نبين طَرِيق الْهدى من طَرِيق الضلال
وَهَذَا التَّفْسِير ثَابت عَن قَتَادَة رَوَاهُ عبد بن حميد قَالَ حَدثنَا يُونُس عَن شَيبَان عَن قَتَادَة ﴿إِن علينا للهدى﴾ علينا بَيَان حَلَاله وَحَرَامه وطاعته ومعصيته وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِير سعيد عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿إِن علينا للهدى﴾ يَقُول على الله الْبَيَان بَيَان حَلَاله وَحَرَامه وطاعته ومعصيته
لَكِن قَتَادَة ذكر أَنه الْبَيَان الَّذِي أرسل الله بِهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه فَتبين بِهِ حَلَاله وَحَرَامه وطاعته ومعصيته
وَأما الثَّعْلَبِيّ والواحدي وَالْبَغوِيّ وَغَيرهم فَذكرُوا الْقَوْلَيْنِ وَزَادُوا أقوالا آخر فَقَالُوا وَاللَّفْظ لِلْبَغوِيِّ
﴿إِن علينا للهدى﴾ يَعْنِي الْبَيَان قَالَ الزّجاج علينا أَن نبين طَرِيق الْهدى من طَرِيق الضَّلَالَة وَهُوَ قَول قَتَادَة قَالَ على الله بَيَان حَلَاله وَحَرَامه
وَقَالَ الْقُرَّاء يَعْنِي من سلك الْهدى فعلى الله سَبيله كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ يَقُول من أَرَادَ الله فَهُوَ على السَّبِيل القاصد
قَالَ وَقيل مَعْنَاهُ إِن علينا للهدى والاضلال كَقَوْلِه بِيَدِك الْخَيْر
(قلت) هَذَا القَوْل هُوَ من الْأَقْوَال المحدثة الَّتِي لم تعرف عَن السّلف وَكَذَلِكَ مَا اشبهه فَإِنَّهُم قَالُوا مَعْنَاهُ بِيَدِك الْخَيْر وَالشَّر وَالنَّبِيّ ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح يَقُول وَالْخَيْر بيديك وَالشَّر لَيْسَ اليك
وَالله تَعَالَى خَالق كل شَيْء لَا يكون فِي ملكه إِلَّا مَا يَشَاء وَالْقدر حق لَكِن فهم الْقُرْآن وَوضع كل شَيْء مَوْضِعه وَبَيَان حِكْمَة الرب وعدله مَعَ الايمان بِالْقدرِ هُوَ طَرِيق الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان
(ذكر الْمَهْدَوِيّ ثَلَاثَة أَقْوَال)
وَقد ذكر الْمَهْدَوِيّ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فَقَالَ إِن علينا للهدى والضلال فَحذف قَتَادَة الْمَعْنى إِن علينا بَيَان الْحَلَال وَالْحرَام
وَقيل الْمَعْنى إِن علينا أَن نهدي من سلك سَبِيل الْهدى
(قلت) هَذَا هُوَ قَول الْقُرَّاء لَكِن عبارَة الْقُرَّاء أبين فِي معرفَة هَذَا القَوْل
فقد تبين أَن جُمْهُور الْمُتَقَدِّمين فسروا الْآيَات الثَّلَاث بِأَن الطَّرِيق الْمُسْتَقيم لَا يدل إِلَّا على الله وَمِنْهُم من فَسرهَا بِأَن عَلَيْهِ بَيَان الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَالْمعْنَى الأول مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمُسلمين
وَأما الثَّانِي فقد يَقُول طَائِفَة لَيْسَ على الله شَيْء لَا بَيَان هَذَا وَلَا هَذَا فَإِنَّهُم متنازعون هَل أوجب على نَفسه كَمَا قَالَ ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ الْأَنْعَام ٦ ٥٤ وَقَوله ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ الرّوم ٢٠ ٤٧ وَقَوله ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ هود ١١ ٦
وَإِذا كَانَ عَلَيْهِ بَيَان الْهدى من الضلال وَبَيَان حَلَاله وَحَرَامه وطاعته ومعصيته فَهَذَا يُوَافق قَول من يَقُول إِن عَلَيْهِ ارسال الرُّسُل وَإِن ذَلِك وَاجِب عَلَيْهِ فَإِن الْبَيَان لَا يحصل إِلَّا بِهَذَا
وَهَذَا يتَعَلَّق بِأَصْل آخر وَهُوَ أَن كل مَا فعله فَهُوَ وَاجِب مِنْهُ أوجبته مَشِيئَته وحكمته وَأَنه مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فَمَا شاءه رَجَب وجوده وَمَا لم يشأه امْتنع وجوده وَبسط هَذَا لَهُ مَوضِع آخر
وَدلَالَة الْآيَات على هَذَا فِيهَا نظر
وَأما الْمَعْنى الْمُتَّفق عَلَيْهِ فَهُوَ مُرَاد من الْآيَات الثَّلَاث قطعا وَأَنه أرشد بهَا إِلَى الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَهِي الطَّرِيق الْقَصْد وَهِي الْهدى إِنَّمَا تدل عَلَيْهِ وَهُوَ الْحق طَرِيقه على الله لَا يعرج عَنهُ
لَكِن نشأت الشُّبْهَة من كَونه قَالَ علينا بِحرف الاستعلاء وَلم يقل الينا وَالْمَعْرُوف أَن يُقَال لمن يشار إِلَيْهِ أَن يُقَال هَذِه الطَّرِيق إِلَى فلَان وَطن يمر بِهِ ويجتاز عَلَيْهِ أَن يَقُول طريقنا على فلَان
وَذكر هَذَا الْمَعْنى بِحرف الاستعلاء وَهُوَ من محَاسِن الْقُرْآن الَّذِي لَا تَنْقَضِي عجائبه وَلَا يشْبع مِنْهُ الْعلمَاء
فَإِن الْخلق كلهم مصيرهم ومرجعهم إِلَى الله على أَي طَرِيق سلكوا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح إِلَى رَبك كدحا فملاقيه﴾ الانشقاق ٨٤ ٦ وَقَالَ ﴿وَإِلَى الله الْمصير﴾ آل عمرَان ٣ ٢٨ النُّور ٢٤ ٤٢ فاطر ٣٥ ١٨ ﴿إِن إِلَيْنَا إيابهم﴾ الغاشية ٨٨ ٢٥ أَي الينا مرجعهم وَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي يتوفاكم بِاللَّيْلِ وَيعلم مَا جرحتم بِالنَّهَارِ ثمَّ يبعثكم فِيهِ ليقضى أجل مُسَمّى ثمَّ إِلَيْهِ مرجعكم ثمَّ ينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وَهُوَ القاهر فَوق عباده وَيُرْسل عَلَيْكُم حفظَة حَتَّى إِذا جَاءَ أحدكُم الْمَوْت توفته رسلنَا وهم لَا يفرطون ثمَّ ردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق﴾ الانعام ٦ ٦٠ ٦٢ وَقَالَ ﴿أم لم ينبأ بِمَا فِي صحف مُوسَى وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وفى أَلا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى وَأَن سَعْيه سَوف يرى ثمَّ يجزاه الْجَزَاء الأوفى وَأَن إِلَى رَبك الْمُنْتَهى﴾ النَّجْم ٥٣ ٣٦ ٤٢ وَقَالَ ﴿وَإِمَّا نرينك بعض الَّذِي نعدهم أَو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثمَّ الله شَهِيد على مَا يَفْعَلُونَ﴾ يُونُس ١٠ ٤٦ فَأَي سَبِيل سلكها العَبْد فالى الله مرجعه ومنتهاه لَا بُد لَهُ من لِقَاء الله ﴿ليجزي الَّذين أساؤوا بِمَا عمِلُوا وَيجْزِي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى﴾ النَّجْم ٥٣ ٣١
وَتلك الْآيَات قصد بهَا أَن سَبِيل الْحق وَالْهدى وَهُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم هُوَ الَّذِي يسْعد أَصْحَابه وينالون بِهِ ولَايَة الله وَرَحمته وكرامته فَيكون الله وليهم دون الشَّيْطَان وَهَذِه سَبِيل من عبد الله وَحده وأطاع رسله فَلهَذَا قَالَ ﴿إِن علينا للهدى﴾ ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ ﴿قَالَ هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم﴾ فالهدى وَقصد السَّبِيل والصراط الْمُسْتَقيم إِنَّمَا يدل على عِبَادَته وطاعته يدل على مَعْصِيَته وَطَاعَة الشَّيْطَان
فَالْكَلَام تضمن معنى الدّلَالَة إِذْ لَيْسَ المُرَاد ذكر الْجَزَاء فِي الْآخِرَة فَإِن الْجَزَاء يعم الْخلق كلهم بل الْمَقْصُود بَيَان مَا أَمر الله بِهِ من عِبَادَته وطاعته وَطَاعَة رسله مَا الَّذِي يدل على ذَلِك فَكَأَنَّهُ قيل الصِّرَاط الْمُسْتَقيم يدل على الله على عِبَادَته وطاعته
وَذَلِكَ يبين أَن من لُغَة الْعَرَب أَنهم يَقُولُونَ هَذِه الطَّرِيق على فلَان إِذا كَانَت تدل
عَلَيْهِ وَكَانَ هُوَ الْغَايَة الْمَقْصُودَة بهَا وَهَذَا غير كَونهَا عَلَيْهِ بِمَعْنى أَن صَاحبهَا يمر عَلَيْهِ وَقد قيل ... هن المنايا أَي وَاد سلكته ... عَلَيْهَا طريقي أَو على طريقها ...
وَهُوَ كَمَا قَالَ الْفراء من سلك الْهدى فعلى الله سَبيله
فالمقصود بالسبيل هُوَ الَّذِي يدل ويوقع عَلَيْهِ كَمَا يُقَال ان سلكت هَذِه السَّبِيل وَقعت على الْمَقْصُود وَنَحْو ذَلِك وكما يُقَال على الْخَبِير سَقَطت فَإِن الْغَايَة المطلوبه إِذا كَانَت عَظِيمَة فالسالك يَقع عَلَيْهَا وَيَرْمِي نَفسه عَلَيْهَا
وَأَيْضًا فسالك طَرِيق الله متوكل عَلَيْهِ فَلَا بُد لَهُ من عِبَادَته وَمن التَّوَكُّل عَلَيْهِ
فَإِذا قيل عَلَيْهِ الطَّرِيق الْمُسْتَقيم تضمن أَن سالكه عَلَيْهِ يتوكل وَعَلِيهِ تدله الطَّرِيق وعَلى عِبَادَته وطاعته يَقع وَيسْقط لَا يعدل عَن ذَلِك إِلَى نَحْو ذَلِك من الْمعَانِي الَّتِي يدل عَلَيْهَا حرف الاستعلاء دون حرف الْغَايَة
وَهُوَ سُبْحَانَهُ قد أخبر أَنه على صِرَاط مُسْتَقِيم فَعَلَيهِ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَهُوَ على صِرَاط مُسْتَقِيم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وَالله أعلم آخر كَلَام شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية (فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ السُّورَة)