×
المنافقونالآية ٤

دقائق التفسير — ابن تيمية

۞ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا۟ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌۭ مُّسَنَّدَةٌۭ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴿٤﴾

وَلَا يعيشون فِي أهل الْقبْلَة إِلَّا من جنس الْيَهُود فِي أهل الْملَل ثمَّ يُقَال من هَؤُلَاءِ الَّذين زهدوا فِي الدُّنْيَا وَلم تأخذهم فِي الله لومة لائم مِمَّن لم يُبَايع أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ وَبَايع عليا فَإِنَّهُ من الْمَعْلُوم أَن فِي زمن الثَّلَاثَة لم يكن أحد منحازا عَن الثَّلَاثَة مظْهرا لمخالفتهم ومبايعة عَليّ بل كل النَّاس كَانُوا مبايعين لَهُم فغاية مَا يُقَال أَنهم كَانُوا يكتمون تَقْدِيم عَليّ وَلَيْسَت هَذِه حَال من لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَأما فِي حَال ولَايَة عَليّ فقد كَانَ ﵁ من أَكثر النَّاس لوما لمن مَعَه على قلَّة جهادهم ونكولهم عَن الْقِتَال فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ الَّذين لَا تأخذهم فِي الله لومة لائم من هَؤُلَاءِ الشِّيعَة وَإِن كذبُوا على أبي ذَر من الصَّحَابَة وسلمان وعمار وَغَيرهم فَمن الْمُتَوَاتر أَن هَؤُلَاءِ كَانُوا من أعظم النَّاس تَعْظِيمًا لأبي بكر وَعمر واتباعا لَهما وَإِنَّمَا ينْقل عَن بَعضهم التعنت على عُثْمَان لَا على أبي بكر وَعمر وَسَيَأْتِي الْكَلَام على مَا جرى لعُثْمَان ﵁ فَفِي خلَافَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان لم يكن أحد يُسمى من الشِّيعَة وَلَا تُضَاف الشِّيعَة إِلَى أحد لَا عُثْمَان وَلَا غَيرهمَا فَلَمَّا قتل عُثْمَان تفرق الْمُسلمُونَ فَمَال قوم إِلَى عُثْمَان وَمَال قوم إِلَى عَليّ واقتتلت الطائفتان وَقتل حِينَئِذٍ شيعَة عُثْمَان شيعَة عَليّ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سعد بن هِشَام أَنه أَرَادَ أَن يَغْزُو فِي سَبِيل الله وَقدم الْمَدِينَة فَأَرَادَ أَن يَبِيع عقارا لَهُ بهَا فَيَجْعَلهُ فِي السِّلَاح والكراع ويجاهد الرّوم حَتَّى يَمُوت فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة لَقِي أُنَاسًا من أهل الْمَدِينَة فنهوه عَن ذَلِك وَأَخْبرُوهُ أَن رهطا سِتَّة أَرَادوا ذَلِك فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ فنهاهم نَبِي الله ﷺ وَقَالَ أَلَيْسَ لكم بِي أُسْوَة فَلَمَّا حدثوه بذلك رَاجع امْرَأَته وَقد كَانَ طَلقهَا وَأشْهد على رَجعتهَا فَأتى ابْن عَبَّاس وَسَأَلَهُ عَن وتر رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس أَلا أدلك على أعلم أهل الأَرْض بِوتْر رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَالَ عَائِشَة ﵂ فَأْتِهَا فاسألها ثمَّ ائْتِنِي فَأَخْبرنِي بردهَا عَلَيْك قَالَ فَانْطَلَقت إِلَيْهَا فَأتيت على حَكِيم بن أَفْلح فاستلحقته إِلَيْهَا فَقَالَ مَا أَنا بقاربها لِأَنِّي نهيتها أَن تَقول فِي هَاتين الشيعتين شَيْئا فَأَبت فيهمَا إِلَّا مضيا قَالَ فأقسمت عَلَيْهِ فجَاء فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَة ﵂ وَذكر الحَدِيث وَقَالَ مُعَاوِيَة لِابْنِ عَبَّاس أَنْت على مِلَّة عَليّ فَقَالَ لَا على مِلَّة عَليّ وَلَا على مِلَّة عُثْمَان أَنا على مِلَّة رَسُول الله ﷺ وَكَانَت الشِّيعَة أَصْحَاب عَليّ يقدمُونَ عَلَيْهِ أَبَا بكر وَعمر وَإِنَّمَا كَانَ النزاع فِي تقدمه على عُثْمَان وَلم يكن حِينَئِذٍ يُسمى أحد لَا إماميا وَلَا رافضا وَإِنَّمَا سموا رافضة وصاروا رافضة لما خرج زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بِالْكُوفَةِ فِي خلَافَة هِشَام فَسَأَلته الشِّيعَة عَن أبي بكر وَعمر فترحم عَلَيْهِم فرفضه قوم فَقَالَ رفضتموني رفضتموني فسموا رافضة وتولاه قوم فسموا زيدية لانتسابهم إِلَيْهِ وَمن حِينَئِذٍ انقسمت الشِّيعَة إِلَى رافضة إمامية وزيدية وَكلما زادوا فِي الْبِدْعَة زادوا فِي الشَّرّ فالزيدية خير من الرافضة أعلم وأصدق وأزهد وَأَشْجَع ثمَّ بعد أبي بكر عمر بن الْخطاب وَهُوَ الَّذِي لم تكن تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَكَانَ أزهد النَّاس بِاتِّفَاق الْخلق كَمَا قيل فِيهِ رحم الله عمر لقد تَركه الْحق مَاله من صديق فصل وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى هَذِه تَفْسِير آيَات أشكلت حَتَّى لَا يُوجد فِي طَائِفَة من كتب التَّفْسِير إِلَّا مَا هُوَ خطأ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَعبد الطاغوت﴾ وَالصَّوَاب عطفه على قَوْله ﴿من لَعنه الله﴾ فعل مَاض مَعْطُوف على مَا قبله من الْأَفْعَال الْمَاضِيَة لَكِن الْمُتَقَدّمَة الْفَاعِل الله مظْهرا أَو مضمرا وَهَذَا الْفِعْل اسْم من عبد الطاغوت وَهُوَ الضَّمِير فِي عبد وَلم يعد حرف من لِأَن هَذِه الْأَفْعَال لصنف وَاحِد وهم الْيَهُود وَالله أعلم فصل فِي بطلَان الِاسْتِدْلَال بالمتشابه قَالَ تَعَالَى ﴿لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فَذكر القسيسين والرهبان لِئَلَّا يُقَال إِن هَذَا قيل عَن غَيرنَا فَدلَّ هَذَا على أفعالنا وَحسن نياتنا وَنفى عَنَّا اسْم الشّرك بقوله الْيَهُود وَالَّذين أشركوا أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا وَالَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أقربهم مَوَدَّة وَالْجَوَاب أَن يُقَال تَمام الْكَلَام ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين وَمَا لنا لَا نؤمن بِاللَّه وَمَا جَاءَنَا من الْحق ونطمع أَن يدخلنا رَبنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحين فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾ فَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يعد بالثواب فِي الْآخِرَة إِلَّا لهَؤُلَاء الَّذين آمنُوا بِمُحَمد ﷺ الَّذين قَالَ فيهم ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ والشاهدون هم الَّذين شهدُوا لَهُ بالرسالة فَشَهِدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وهم الشُّهَدَاء الَّذين قَالَ فيهم