×
الأنعامالآية ٨٨

دقائق التفسير — ابن تيمية

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٨٨﴾

وَلَو كَانَ فَاسِدا فِي نَفسه لوَجَبَ الحكم بِفساد أنكحته الْمُتَقَدّمَة وَتَحْرِيم ذبائحه وَبطلَان إِرْثه الْمُتَقَدّم وَبطلَان عباداته جَمِيعهَا حَتَّى لَو كَانَ قد حج عَن غَيره كَانَ حجه بَاطِلا وَلَو صلى مُدَّة بِقوم ثمَّ ارْتَدَّ كَانَ عَلَيْهِم أَن يُعِيدُوا صلَاتهم خَلفه وَلَو شهد أَو حكم ثمَّ ارْتَدَّ لوَجَبَ أَن تفْسد صلَاته وَحكمه وَنَحْو ذَلِك وَكَذَلِكَ أَيْضا الْكَافِر إِذا تَابَ من كفره لَو كَانَ محبوبا لله وليا لَهُ فِي حَال كفره لوَجَبَ أَن يقْضِي بِعَدَمِ أَحْكَام ذَلِك الْكفْر وَهَذَا كُله خلاف مَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة نَظِير الْكَلَام فِي الأرزاق والآجال وَهِي أَيْضا مَبْنِيَّة على قَاعِدَة الصِّفَات الفعلية وَهِي قَاعِدَة كَبِيرَة وعَلى هَذَا يخرج جَوَاب السَّائِل فَمن قَالَ إِن ولي الله لَا يكون إِلَّا من وافاه حِين الْمَوْت بِالْإِيمَان وَالتَّقوى فالعلم بذلك أصعب عَلَيْهِ وعَلى غَيره وَمن قَالَ قد يكون وليا لله من كَانَ مُؤمنا تقيا وَإِن لم تعلم عاقبته فالعلم بِهِ أسهل وَمَعَ هَذَا يُمكن الْعلم بذلك للْوَلِيّ نَفسه وَلغيره وَلكنه قَلِيل وَلَا يجوز لَهُم الْقطع على ذَلِك فَمن ثبتَتْ ولَايَته بِالنَّصِّ وَأَنه من أهل الْجنَّة كالعشرة وَغَيرهم فعامة أهل السّنة يشْهدُونَ لَهُ بِمَا شهد لَهُ بِهِ النَّص وَأما من شاع لَهُ لِسَان صدق فِي الْأمة بِحَيْثُ اتّفقت الْأمة على الثَّنَاء عَلَيْهِ فَهَل يشْهد لَهُ بذلك هَذَا فِيهِ نزاع بَين أهل السّنة وَالْأَشْبَه أَن يشْهد لَهُ بذلك هَذَا فِي الْأَمر الْعَام وَأما خَواص النَّاس فقد يعلمُونَ عواقب أَقوام بِمَا كشف الله لَهُم لَكِن هَذَا لَيْسَ مِمَّن يجب التَّصْدِيق الْعَام بِهِ فَإِن كثيرا مِمَّن يظنّ بِهِ أَنه حصل لَهُ هَذَا الْكَشْف يكون ظَانّا فِي ذَلِك ظنا لَا يُغني من الْحق شَيْئا وَأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تَارَة ويخطئون أُخْرَى كَأَهل النّظر وَالِاسْتِدْلَال فِي موارد الِاجْتِهَاد وَلِهَذَا وَجب عَلَيْهِم جَمِيعهم أَن يعتصموا بِكِتَاب الله وَسنة رَسُول ﷺ وَأَن يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآراءهم ومعقولاتهم بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله وَلَا يكتفوا بِمُجَرَّد ذَلِك فَإِن سَنَد الْمُحدثين والمخاطبين الملهمين من هَذِه الْأمة هُوَ عمر ابْن الْخطاب وَقد كَانَت تقع لَهُ وقائع فيردها عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَو صديقه التَّابِع لَهُ الْآخِذ عَنهُ الَّذِي هُوَ أكمل من الْمُحدث الَّذِي يحدثه قلبه عَن ربه وَلِهَذَا وَجب على جَمِيع الْخلق اتِّبَاع الرَّسُول وطاعته فِي جَمِيع أُمُوره الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة وَلَو كَانَ أحد يَأْتِيهِ من الله مَالا يحْتَاج إِلَى عرضه على الْكتاب وَالسّنة لَكَانَ مستغنيا عَن الرَّسُول ﷺ فِي بعض دينه وَهَذَا من أَقْوَال المارقين الَّذين يظنون أَن من النَّاس من يكون مَعَ الرَّسُول كالخضر مَعَ مُوسَى وَمن قَالَ هَذَا فَهُوَ كَافِر وَقد قَالَ الله تَعَالَى