دقائق التفسير — ابن تيمية
وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴿١٢١﴾
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه قَالَ
مَا أنهر الدَّم وَذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَكُلُوا وَفِي الصَّحِيح أَنه قَالَ لعدي
إِذا أرْسلت كلبك الْمعلم وَذكرت اسْم الله فَقتل فَكل وَإِن خالط كلبك كلاب آخر فَلَا تَأْكُل فَإنَّك إِنَّمَا سميت على كلبك وَلم تسم على غَيره وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن الْجِنّ سَأَلُوهُ الزَّاد لَهُم ولدوابهم فَقَالَ
لكم كل عظم ذكر اسْم الله عَلَيْهِ أوفر مَا يكون لَحْمًا وكل بَعرَة علف لدوابكم قَالَ النَّبِي ﷺ
فَلَا تستنجوا بهما فَإِنَّهُمَا زَاد إخْوَانكُمْ من الْجِنّ
فَهُوَ ﷺ لم يبح للجن الْمُؤمنِينَ إِلَّا مَا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَكيف بالإنس وَلَكِن إِذا وجد الْإِنْسَان لَحْمًا قد ذبحه غَيره جَازَ لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهُ وَيذكر اسْم الله عَلَيْهِ لحمل أَمر النَّاس على الصِّحَّة والسلامة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَن قوما قَالُوا
يَا رَسُول الله إِن نَاسا حَدِيثي عهد بِالْإِسْلَامِ يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ وَلَا نَدْرِي أذكروا اسْم الله عَلَيْهِ أم لم يذكرُوا فَقَالَ سموا أَنْتُم وكلوا
فصل
أما عظم الْميتَة وقرنها وظفرها وَمَا هُوَ من جنس ذَلِك كالحافر وَنَحْوه وشعرها وريشها ووبرها
فَفِي هذَيْن النَّوْعَيْنِ للْعُلَمَاء ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا نَجَاسَة الْجَمِيع كَقَوْل الشَّافِعِي فِي الْمَشْهُور وَذَلِكَ رِوَايَة عَن أَحْمد
وَالثَّانِي أَن الْعِظَام وَنَحْوهَا نَجِسَة والشعور وَنَحْوهَا طَاهِرَة وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك وَأحمد
وَالثَّالِث أَن الْجَمِيع طَاهِر كَقَوْل أبي حنيفَة وَهُوَ قَول فِي مَذْهَب مَالك وَأحمد وَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب لِأَن الأَصْل فِيهَا الطَّهَارَة وَلَا دَلِيل على النَّجَاسَة
وَأَيْضًا فَإِن هَذِه الْأَعْيَان هِيَ من الطَّيِّبَات لَيست من الْخَبَائِث فَتدخل فِي آيَة التَّحْلِيل وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لم تدخل فِيمَا حرمه الله من الْخَبَائِث لَا لفظا وَلَا معنى أما اللَّفْظ فكقوله تَعَالَى
فَلَا أرى هَذَا ذَكَاته ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾
فاحتجاج أبي عبد الله بِالْآيَةِ دَلِيل على أَن الْكَرَاهَة عِنْده كَرَاهَة تَحْرِيم وَهَذَا قَول عَامَّة قدماء الْأَصْحَاب
قَالَ الْخلال فِي بَاب التوقي لأكل مَا ذبحت النَّصَارَى وَأهل الْكتاب لأعيادهم وذبائح أهل الْكتاب لكنائسهم كل من رُوِيَ عَن أبي عبد الله روى الْكَرَاهَة فِيهِ وَهِي مُتَفَرِّقَة فِي هَذِه الْأَبْوَاب
وَمَا قَالَ ابْن حَنْبَل فِي هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ ذكر عَن أبي عبد الله
﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ فَإِنَّمَا الْجَواب من أبي عبد الله فِيمَا أهل لغير الله بِهِ وَأما التَّسْمِيَة وَتركهَا فقد روى عَنهُ جَمِيع أَصْحَابه أَنه لَا بَأْس بِأَكْل مَا لم يسموا عَلَيْهِ إِلَّا فِي
وَقت مَا يذبحون لأعيادهم وكنائسهم فَإِنَّهُ فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾
وَعند أبي عبد الله أَن تَفْسِير
إِنَّمَا عَنى بِهِ الْميتَة وَقد أخرجته فِي مَوْضِعه
ومقصود الْخلال أَن نهي أَحْمد لم يكن لأجل ترك التَّسْمِيَة فَقَط فَإِن ذَلِك عِنْده لَا يحرم وَإِنَّمَا كَانَ لأَنهم ذبحوه لغير الله سَوَاء كَانُوا يسمون غير الله أَو لَا يسمون الله وَلَا غَيره وَلَكِن قصدهم الذّبْح لغير الله
لَكِن قَالَ ابْن أبي مُوسَى ويجتنب أكل كل مَا ذبحه الْيَهُود وَالنَّصَارَى لكنائسهم وأعيادهم وَلَا يُؤْكَل مَا ذبح للزهرة
وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة أَن ذَلِك مَكْرُوه غير محرم وَهَذَا الَّذِي ذكره القَاضِي وَغَيره وَأخذُوا ذَلِك فِيمَا أَظُنهُ مِمَّا نَقله عبد الله بن أَحْمد سَأَلت أبي عَمَّن ذبح للزهرة قَالَ لَا يُعجبنِي قلت أحرام أكله قَالَ لَا أَقُول حَرَامًا وَلَكِن لَا يُعجبنِي وَذَلِكَ أَنه أثبت الْكَرَاهَة دون التَّحْرِيم
وَيُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا توقف عَن تَسْمِيَته محرما لِأَن مَا اخْتلف فِي تَحْرِيمه وتعارضت فِيهِ كالجمع بَين الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوه هَل يُسمى حَرَامًا على رِوَايَتَيْنِ كالروايتين عِنْده فِي أَن مَا اخْتلف فِي وُجُوبه هَل يُسمى فرضا على رِوَايَتَيْنِ
وَمن أَصْحَابنَا من أطلق الْكَرَاهَة وَلم يُفَسر هَل أَرَادَ التَّحْرِيم أَو التَّنْزِيه
قَالَ أَبُو الْحسن الْآمِدِيّ مَا ذبح لغير الله مثل الْكَنَائِس والزهرة وَالشَّمْس وَالْقَمَر فَقَالَ أَحْمد هُوَ مِمَّا اهل بِهِ لغير الله أكرهه كل مَا ذبح لغير الله وَالْكَنَائِس وَمَا ذَبَحُوا فِي أعيادهم أكرهه فَأَما مَا ذبح أهل الْكتاب على معنى الذَّكَاة فَلَا بَأْس بِهِ
وَكَذَلِكَ مَذْهَب مَالك يكره مَا ذبحه النَّصَارَى لكنائسهم أَو ذَبَحُوا على اسْم الْمَسِيح أَو الصَّلِيب أَو أَسمَاء من مضى من أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ
وَفِي الْمُدَوَّنَة وَكره مَالك أكل مَا ذبحه أهل الْكتاب لكنائسهم أَو لأعيادهم من غير تَحْرِيم وَتَأَول قَول الله
فَحَيْثُ اشْترطت التَّسْمِيَة فِي ذَبِيحَة الْمُسلم هَل تشْتَرط فِي ذَبِيحَة الْكِتَابِيّ على رِوَايَتَيْنِ وَإِن كَانَ الْخلال هُنَا قد ذكر عدم الِاشْتِرَاط فاحتجاجه بِهَذِهِ الْآيَة يخرج على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
فَلَمَّا تعَارض الْعُمُوم الحاظر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ والعموم الْمُبِيح وَهُوَ قَوْله