×
المائدةالآية ٦٨

دقائق التفسير — ابن تيمية

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴿٦٨﴾

فَإِن هَذَا يبين أَن هَذَا أَمر لمُحَمد ﷺ أَن يَقُول لأهل الْكتاب الَّذِي بعث إِلَيْهِم أَنهم لَيْسُوا على شَيْء حَتَّى يقيموا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم فَدلَّ ذَلِك على أَنهم عِنْدهم مَا يعلم أَنه منزل من الله وَأَنَّهُمْ مأمورون بإقامته إِذا كَانَ ذَلِك مِمَّا قَرَّرَهُ مُحَمَّد ﷺ وَلم ينسخه وَمَعْلُوم أَن كل مَا أَمر الله بِهِ على لِسَان نَبِي وَلم ينسخه النَّبِي الثَّانِي بل أقره كَانَ الله آمرا بِهِ على لِسَان نَبِي بعد نَبِي وَلم يكن فِي بعثة الثَّانِي مَا يضاد وجوب اتِّبَاع مَا أَمر بِهِ النَّبِي الأول وَقَررهُ النَّبِي الثَّانِي وَلَا يجوز أَن يُقَال إِن الله ينْسَخ بِالْكتاب الثَّانِي جَمِيع مَا شَرعه بِالْكتاب الأول إِنَّمَا الْمَنْسُوخ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اتّفقت عَلَيْهِ الْكتب والشرائع وَأَيْضًا فَفِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا دلّ على نبوة مُحَمَّد ﷺ فَإِذا حكم أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فيهمَا حكمُوا بِمَا أوجب عَلَيْهِم اتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ وَهَذَا يدل على أَن فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا يعلمُونَ أَن الله أنزلهُ إِذْ لَا يؤمرون أَن يحكموا بِمَا أنزل الله وَلَا يعلمُونَ مَا أنزل الله وَالْحكم إِنَّمَا يكون فِي الْأَمر وَالنَّهْي وَالْعلم بِبَعْض مَعَاني الْكتب لَا يُنَافِي عدم الْعلم بِبَعْضِهَا وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الْمعَانِي فَإِن الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى متفقون على أَن فِي الْكتب الإلهية الْأَمر بِعبَادة الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَنه أرسل إِلَى الْخلق رسلًا من الْبشر وَأَنه أوجب الْعدْل وَحرم الظُّلم وَالْفَوَاحِش والشرك وأمثال ذَلِك من الشَّرَائِع الْكُلية وَأَن فِيهَا الْوَعْد بالثواب والوعيد بالعقاب بل هم متفقون على الْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر وَقد تنازعوا فِي بعض مَعَانِيهَا وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير ذَلِك كَمَا اخْتلفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي الْمَسِيح المبشر بِهِ النبوات هَل هُوَ الْمَسِيح بن مَرْيَم ﵇ أَو مسيح آخر ينْتَظر والمسلمون يعلمُونَ أَن الصَّوَاب فِي هَذَا مَعَ النَّصَارَى لَكِن لَا يوافقنهم على مَا أَحْدَثُوا فِيهِ من الْإِفْك والشرك وَكَذَلِكَ يُقَال إِذا بدل قَلِيل من ألفاظها الخبرية لم يمْنَع ذَلِك أَن يكون أَكثر ألفاظها لم يُبدل لَا سِيمَا إِذا كَانَ فِي نفس الْكتاب مَا يدل على الْمُبدل وَقد يُقَال إِن مَا بدل من أَلْفَاظ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَفِي نفس التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا يدل على تبديله فَبِهَذَا يحصل الْجَواب على شُبْهَة عَن يَقُول إِنَّه لم يُبدل شَيْء من ألفاظها فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِذا كَانَ التبديل قد وَقع فِي أَلْفَاظ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل قبل مبعث مُحَمَّد ﷺ لم يعلم الْحق من الْبَاطِل فَسقط الِاحْتِجَاج بهما وَوُجُوب الْعَمَل بهما على أهل الْكتاب فَلَا يذمون حِينَئِذٍ على ترك اتباعهما وَالْقُرْآن قد ذمهم على ترك الحكم بِمَا فِيهَا وَاسْتشْهدَ بهما فِي مَوَاضِع وَجَوَاب ذَلِك أَن ماوقع من التبديل قَلِيل وَالْأَكْثَر لم يُبدل وَالَّذِي لم يُبدل فِيهِ أَلْفَاظ صَرِيحَة بَيِّنَة بِالْمَقْصُودِ تبين غلط مَا خالفها وَلها شَوَاهِد ونظائر مُتعَدِّدَة يصدق بَعْضهَا بَعْضًا بِخِلَاف الْمُبدل فَإِنَّهُ أَلْفَاظ قَليلَة وَسَائِر نُصُوص الْكتب يناقضها وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَة كتب الحَدِيث المنقولة عَن النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ إِذا وَقع فِي سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أَو غَيرهمَا أَحَادِيث قَليلَة ضَعِيفَة كَانَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة عَن النَّبِي ﷺ مَا يبين ضعف تِلْكَ بل وَكَذَلِكَ صَحِيح مُسلم فِيهِ أَلْفَاظ قَليلَة غلط وَفِي نفس الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَعَ الْقُرْآن مَا يبين غلطها مثل مَا رُوِيَ أَن الله خلق التربة يَوْم السبت وَجعل خلق الْمَخْلُوقَات فِي الْأَيَّام السَّبْعَة فَإِن هَذَا الحَدِيث قد بَين أَئِمَّة الحَدِيث كيحيى بن معِين وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم أَنه غلط وَأَنه لَيْسَ فِي كَلَام النَّبِي ﷺ بل صرح البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير أَنه من كَلَام كَعْب الْأَحْبَار كَمَا قد بسط فِي مَوْضِعه وَالْقُرْآن يدل على غلط هَذَا وَبَين أَن الْخلق فِي سِتَّة أَيَّام وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن آخر الْخلق كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فَيكون أول الْخلق يَوْم الْأَحَد وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنه ﷺ صلى الْكُسُوف بركوعين أَو ثَلَاثَة فَإِن الثَّابِت الْمُتَوَاتر عَن النَّبِي ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عَمْرو وَغَيرهم أَنه صلى كل رَكْعَة بركوعين وَلِهَذَا لم يخرج البُخَارِيّ إِلَّا ذَلِك وَضعف الشَّامي وَالْبُخَارِيّ وَأحمد فَإِن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا صلى الْكُسُوف مرّة فِي أحد الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَغَيرهم حَدِيث الثَّلَاثَة والأربع فَإِن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا صلى مرّة وَاحِدَة وَفِي حَدِيث الثَّلَاث والأربع أَنه صلاهَا يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم ابْنه وَأَحَادِيث الركوعين كَانَت ذَلِك الْيَوْم فَمثل هَذَا الْغَلَط إِذا وَقع كَانَ فِي نفس الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَا يبين أَنه غلط وَالْبُخَارِيّ إِذا روى الحَدِيث بطرق فِي بَعْضهَا غلط فِي بعض الْأَلْفَاظ ذكر مَعَه الطّرق الَّتِي تبين ذَلِك الْغَلَط كَمَا قد بسطنا الْكَلَام على ذَلِك فِي مَوْضِعه فَكَذَلِك إِذا قيل أَنه وَقع تَبْدِيل فِي بعض أَلْفَاظ الْكتب الْمُتَقَدّمَة كَانَ فِي الْكتب مَا يبين ذَلِك الْغَلَط وَقد قدمنَا أَن الْمُسلمين لَا يدعونَ أَن كل نُسْخَة فِي الْعَالم من زمن مُحَمَّد ﷺ بِكُل لِسَان من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور بدلت ألفاظها فَإِن هَذَا لَا أعرف أحدا من السّلف قَالَه وَإِن كَانَ من الْمُتَأَخِّرين من قد يَقُول ذَلِك كَمَا فِي بعض الْمُتَأَخِّرين من يجوز الِاسْتِنْجَاء بِكُل مَا فِي الْعَالم من نسخ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَلَيْسَتْ هَذِه الْأَقْوَال وَنَحْوهَا من أَقْوَال سلف الْأمة وأئمتها وَعمر بن الْخطاب ﵁ لما رأى بيد كَعْب الْأَحْبَار نُسْخَة من التَّوْرَاة قَالَ يَا كَعْب إِن كنت تعلم أَن هَذِه هِيَ التَّوْرَاة الَّتِي أنزلهَا الله على مُوسَى بن عمرَان فاقرأها فعلق الْأَمر على مَا يمْتَنع الْعلم بِهِ وَلم يجْزم عمر ﵁ بِأَن أَلْفَاظ تِلْكَ مبدلة لما لم يتَأَمَّل كل مَا فِيهَا وَالْقُرْآن وَالسّنة المتواترة يدلان على أَن التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل الْمَوْجُودين فِي زمن النَّبِي ﷺ فيهمَا مَا أنزلهُ الله ﷿ والجزم بتبديل ذَلِك فِي جَمِيع النّسخ الَّتِي فِي الْعَالم مُتَعَذر وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكره وَلَا علم لنا بذلك وَلَا يُمكن أحدا من أهل الْكتاب أَن يَدعِي أَن كل نُسْخَة فِي الْعَالم بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَة من الْكتب متفقة على لفظ وَاحِد فَإِن هَذَا مِمَّا لَا يُمكن أحدا من الْبشر أَن يعرفهُ بِاخْتِيَارِهِ وامتحانه وَإِنَّمَا يعلم مثل هَذَا بِالْوَحْي وَإِلَّا فَلَا يُمكن أحدا من الْبشر أَن يُقَابل كل نُسْخَة مَوْجُودَة فِي الْعَالم بل نُسْخَة من جَمِيع الْأَلْسِنَة