دقائق التفسير — ابن تيمية
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٦﴾
وَلم يقْرَأ الْقُرَّاء المعروفون فِي آيَة التَّيَمُّم وَأَيْدِيكُمْ بِالنّصب كَمَا قرؤوا فِي آيَة الْوضُوء فَلَو كَانَ عطفا لَكَانَ الموضعان سَوَاء وَذَلِكَ أَن قَوْله ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وَقَوله ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ﴾ يقضتي إلصاق الْمَمْسُوح لِأَن الْبَاء للإلصاق وَهَذَا يَقْتَضِي إِيصَال المَاء والصعيد إِلَى أَعْضَاء الطَّهَارَة وَإِذا قيل امسح رَأسك ورجلك لم يقتض إِيصَال المَاء إِلَى الْعُضْو وَهَذَا يبين أَن لباء حرف جَاءَ لِمَعْنى لَا زَائِدَة كَمَا يَظُنّهُ بعض النَّاس وَهَذَا خلاف قَوْله
معاوى إننا بشر فَأَسْجِحْ فلسنا بالجبال وَلَا الحديدا فَإِن الْبَاء هُنَا مُؤَكدَة فَلَو حذفت لم يخْتل الْمَعْنى وَالْبَاء فِي آيَة الطَّهَارَة إِذا حذفت اخْتَلَّ الْمَعْنى فَلم يجز أَن يكون الْعَطف على مَحل الْمَجْرُور بهَا بل على لفظ الْمَجْرُور بهَا أَو على مَا قبله
الثَّالِث أَنه لَو كَانَ عطفا على الْمحل لقرىء فِي آيَة التَّيَمُّم
فَكَانَ فِي الْآيَة مَا يبين فَسَاد مَذْهَب الشَّارِح بِأَنَّهُ قد دلّت عَلَيْهِ
بِالنّصب لِأَن اللَّفْظَيْنِ سَوَاء فَلَمَّا اتَّفقُوا على الْجَرّ فِي آيَة التَّيَمُّم مَعَ إِمْكَان الْعَطف على الْمحل لَو كَانَ صَوَابا علم أَن الْعَطف على اللَّفْظ وَلم يكن فِي آيَة التَّيَمُّم مَنْصُوب مَعْطُوف على اللَّفْظ كَمَا فِي آيَة الْوضُوء
الرَّابِع أَنه قَالَ
وَلم يقل إِلَى الكعاب فَلَو قدر أَن الْعَطف على الْمحل كالقول الآخر وَأَن التَّقْدِير أَن فِي كل رجلَيْنِ كعبين وَفِي كل رجل كَعْب وَاحِد لقيل إِلَى الكعاب كَمَا قيل إِلَى الْمرَافِق لما كَانَ فِي كل يَد مرفق وَحِينَئِذٍ فالكعبان هما العظمان الناتئان فِي جَانِبي السَّاق لَيْسَ هُوَ معقد الشرَاك مجمع السَّاق والقدم كَمَا يَقُوله من يرى الْمسْح على الرجلَيْن فَإِذا كَانَ الله ﵎ إِنَّمَا أَمر بِطَهَارَة الرجلَيْن إِلَى الْكَعْبَيْنِ الناتئين والماسح يمسح إِلَى مجمع الْقدَم والساق علم أَنه مُخَالف الْقُرْآن
الْوَجْه الْخَامِس أَن الْقِرَاءَتَيْن كالآيتين وَالتَّرْتِيب فِي الْوضُوء إِمَّا وَاجِب وَإِمَّا مُسْتَحبّ مُؤَكد الِاسْتِحْبَاب فَإِذا فصل مَمْسُوح بَين مغسولين وَقطع النظير عَن النظير دلّ ذَلِك على التَّرْتِيب الْمَشْرُوع فِي الْوضُوء
الْوَجْه السَّادِس أَن السّنة تفسر الْقُرْآن وتدل عَلَيْهِ وتعبر عَنهُ وَهِي قد جَاءَت بِالْغسْلِ
الْوَجْه السَّابِع أَن التَّيَمُّم جعل بَدَلا عَن الْوضُوء عِنْد الْحَاجة فَحذف شطر أَعْضَاء الْوضُوء وخف الشّطْر الثَّانِي وَذَلِكَ فَإِنَّهُ حذف مَا كَانَ ممسوحا وَمسح مَا كَانَ مغسولا
وَأما الْقِرَاءَة الْأُخْرَى وَهِي قِرَاءَة من قَرَأَ وأرجلكم بالخفض فَهِيَ لَا تخَالف السّنة المتواترة إِذْ القراءتان كالآيتين وَالسّنة الثَّابِتَة لَا تخَالف كتاب الله بل توافقه وَتصدقه وَلَكِن تفسره وتبينه لمن قصر فهمه عَن فهم الْقُرْآن فَإِن الْقُرْآن فِيهِ دلالات خُفْيَة تخفى على كثير من النَّاس وَفِيه مَوَاضِع ذكرت مجملة تفسرها السّنة وتبينها
وَالْمسح اسْم جنس يدل على إلصاق الْمَمْسُوح بِهِ بالممسوح وَلَا يدل على لَفظه وجريانه لَا بِنَفْي وَلَا إِثْبَات قَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ وَغَيره الْعَرَب تَقول تمسحت للصَّلَاة فتسمي الْوضُوء كُله مسحا وَلَكِن من عَادَة الْعَرَب وَغَيرهم إِذا كَانَ الِاسْم عَاما تَحْتَهُ نَوْعَانِ خصوا أحد نوعيه باسم خَاص وأبقوا الِاسْم الْعَام للنوع الآخر كَمَا فِي لَفْظَة الدَّابَّة فَإِنَّهُ عَام للْإنْسَان وَغَيره من الدَّوَابّ لَكِن للْإنْسَان اسْم يَخُصُّهُ فصاروا يطلقونه على غَيره
وَكَذَلِكَ لفظ الْحَيَوَان وَلَفظ ذَوي الْأَرْحَام يتَنَاوَل لكل ذِي رحم لَكِن للْوَارِث بِفَرْض أَو تعصيب اسْم يَخُصُّهُ
وَكَذَلِكَ لفظ الْمُؤمن يتَنَاوَل من آمن بِاللَّه وبملائكته وَكتبه وَرُسُله وَمن آمن بالجبت
والطاغوت فَصَارَ لهَذَا النَّوْع اسْم يَخُصُّهُ وَهُوَ الْكَافِر وأبقي اسْم الْإِيمَان مُخْتَصًّا بِالْأولِ وَكَذَلِكَ لفظ الْبشَارَة ونظائر ذَلِك كَثِيرَة
ثمَّ إِنَّه مَعَ الْقَرِينَة تَارَة وَمَعَ الْإِطْلَاق أُخْرَى يسْتَعْمل اللَّفْظ الْعَام فِي مَعْنيين كَمَا إِذا أوصى لِذَوي رَحمَه فَإِنَّهُ يتَنَاوَل أَقَاربه من مثل الرِّجَال وَالنِّسَاء فَقَوله تَعَالَى فِي آيَة الْوضُوء ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ يَقْتَضِي إِيجَاب مُسَمّى الْمسْح بَينهمَا وكل وَاحِد من الْمسْح الْخَاص الْخَالِي عَن الإسالة وَالْمسح الَّذِي مَعَه إسالة يُسمى مسحا فاقتضت الْآيَة الْقدر الْمُشْتَرك فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلم يكن فِي لفظ الْآيَة مَا يمْنَع كَون الرجل يكون الْمسْح بهَا هُوَ الْمسْح الَّذِي مَعَه إسالة وَدلّ على ذَلِك قَوْله ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فَأمر بمسحهما إِلَى الْكَعْبَيْنِ
وَأَيْضًا فَإِن الْمسْح الْخَاص هُوَ إسالة المَاء مَعَ الْغسْل فهما نَوْعَانِ الْمسْح الْعَام الَّذِي هُوَ إِيصَال المَاء وَمن لغتهم فِي مثل ذَلِك أَن يَكْتَفِي بِأحد اللَّفْظَيْنِ كَقَوْلِهِم علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا وَالْمَاء سقِي لَا علف وَقَوله
... وَرَأَيْت زَوجك فِي الوغى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا ...
وَالرمْح لَا يتقلد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى
وَقَوله ﴿يُرِيد الله ليبين لكم وَيهْدِيكُمْ سنَن الَّذين من قبلكُمْ وَيَتُوب عَلَيْكُم وَالله عليم حَكِيم وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات أَن تميلوا ميلًا عَظِيما يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾
فَهَذِهِ الْإِرَادَة لَا تَسْتَلْزِم وُقُوع المُرَاد إِلَّا أَن يتَعَلَّق بِهِ النَّوْع الأول من الْإِرَادَة وَلِهَذَا كَانَت الْأَقْسَام أَرْبَعَة
أَحدهَا مَا تعلّقت بِهِ الإرادتان وَهُوَ مَا وَقع فِي الْوُجُود من الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَإِن الله أرادة إِرَادَة دين وَشرع فَأمر بِهِ وأحبه ورضيه وأراده إِرَادَة كَون فَوَقع وَلَوْلَا ذَلِك لما كَانَ
وَالثَّانِي مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة الدِّينِيَّة فَقَط وَهُوَ مَا أَمر الله بِهِ من الْأَعْمَال الصَّالِحَة فعصى ذَلِك الْأَمر الْكفَّار والفجار فَتلك كلهَا إِرَادَة دين وَهُوَ يُحِبهَا ويرضاها لَو وَقعت وَلَو لم تقع
وَالثَّالِث مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة الكونية فَقَط وَهُوَ مَا قدره وشاءه من الْحَوَادِث الَّتِي لم يَأْمر بهَا كالمباحات والمعاصي فَإِنَّهُ لم يَأْمر بهَا وَلم يرضها وَلم يُحِبهَا إِذْ هُوَ لَا يَأْمر بالفحشاء وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَلَوْلَا مَشِيئَته وَقدرته وخلقه لَهَا لما كَانَت وَلما وجدت فَإِنَّهُ مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
وَالرَّابِع مَا لم تتَعَلَّق بِهِ هَذِه الْإِرَادَة وَلَا هَذِه فَهَذَا مَا لم يكن من أَنْوَاع الْمُبَاحَات والمعاصي وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمُقْتَضى اللَّام فِي قَوْله