×
المائدةالآية ٤٤

دقائق التفسير — ابن تيمية

إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴿٤٤﴾

وَقَالَ تَعَالَى عَن الحواريين ﴿وَإِذ أوحيت إِلَى الحواريين أَن آمنُوا بِي وبرسولي قَالُوا آمنا واشهد بأننا مُسلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ فَهَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء كلهم وأتباعهم كلهم يذكر الله تَعَالَى أَنهم كَانُوا مُسلمين وَهَذَا مِمَّا يبين أَن قَوْله تَعَالَى إِلَى ﴿الظَّالِمُونَ﴾ إِلَى ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ قَالَ هِيَ فِي الْكَفَّارَة كلهَا وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر بن عبد الله أَنه قَالَ رجم النَّبِي ﷺ رجلا من أسلم ورجلا من الْيَهُود وَأما السّنَن فَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن زيد بن أسلم عَن ابْن عمر ﵄ أَنه قَالَ أَتَى نفر من الْيَهُود فدعوا رَسُول الله ﷺ إِلَى القف فَأَتَاهُم فِي بَيت الْمدَارِس فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِم إِن رجلا منا زنى بِامْرَأَة فاحكم بَينهم فوضعوا لرَسُول الله ﷺ وسَادَة فَجَلَسَ عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ ائْتُونِي التَّوْرَاة فَأتي بهَا فَنزع الوسادة من تَحْتَهُ وَوضع التَّوْرَاة عَلَيْهَا وَقَالَ آمَنت بك وبمن أنزلك ثمَّ قَالَ ائْتُونِي بأعمالكم فَأتي بشاب ثمَّ ذكر قصَّة الرَّجْم وَأخرج أَيْضا ابو دَاوُد وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ زنى رجل من الْيَهُود بِامْرَأَة فَقَالَ بَعضهم لبَعض اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِي فَإِنَّهُ نَبِي بعث بِالتَّخْفِيفِ فَإِن أَفتانا بِفُتْيَا دون الرَّجْم قبلناها واحتججنا بهَا عِنْد الله فَقُلْنَا نَبِي من أنبيائك قَالُوا فَأتوا النَّبِي ﷺ وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد فِي أَصْحَابه فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِم مَا ترى فِي رجل وَامْرَأَة مِنْهُم زَنَيَا فَلم يكلمهم كلمة حَتَّى أَتَى بَيت مدارسهم فَقَامَ على الْبَاب فَقَالَ أنْشدكُمْ بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى إِذا أحصن قَالُوا نحمم ونحبيه ونجلده والتحبية أَن يحمل الزانيان على حمَار ويقابل أقفيتهما وَيُطَاف بهما قَالَ وَسكت شَاب مِنْهُم فَلَمَّا رَآهُ النَّبِي ﷺ ساكتا أنْشدهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِذا نَشَدتنَا فَإنَّا نجد فِي التَّوْرَاة الرَّجْم فَقَالَ النَّبِي ﷺ فَمَا أول مَا ارتخصتم أَمر الله قَالَ زنى ذُو قرَابَة من ملك من مُلُوكنَا فَأخر عَنهُ الرَّجْم ثمَّ زنى رجل فِي أسرة من النَّاس فَأَرَادَ رجمه فحال قومه دونه وَقَالُوا لَا يرْجم صاحبنا حَتَّى تَجِيء بصاحبك فترجمه فَاصْطَلَحُوا هَذِه الْعقُوبَة بَينهم قَالَ النَّبِي ﷺ فَإِنِّي أحكم بِمَا فِي التَّوْرَاة فَأمر بهما فَرُجِمَا قَالَ الزُّهْرِيّ فَبَلغنَا أَن هَذِه الْآيَة نزلت فيهم وَكَانَ النَّبِي ﷺ مِنْهُم وَأَيْضًا فقد تحاكموا إِلَيْهِ فِي الْقود الَّذِي كَانَ بَين بني قُرَيْظَة وَالنضير وَكَانَ النَّضِير أشرف من قُرَيْظَة فَكَانَ إِذا قتل بعض إِحْدَى القبيلتين قَتِيلا من الْأُخْرَى فيقتلونه وَلم يضعفوا الدِّيَة وَإِذا قتل من الْقَبِيلَة الشَّرِيفَة قتلوا بِهِ وأضعفوا الدِّيَة قَالَ أَبُو دَاوُد سلمَان بن الْأَشْعَث فِي سنَنه حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعلَا حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن عَليّ بن صَالح عَن سماك بن حَرْب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ قُرَيْظَة وَالنضير وَكَانَ النَّضِير أشرف من قُرَيْظَة فَكَانَ إِذا قتل رجل من قُرَيْظَة رجلا من النَّضِير قتل بِهِ وَإِذا قتل رجل من النَّضِير رجلا من قُرَيْظَة ودي مائَة وسق من تمر فَلَمَّا بعث النَّبِي ﷺ قتل رجل من النَّضِير رجلا من قُرَيْظَة فَقَالُوا ادفعوه إِلَيْنَا نَقْتُلهُ فَقَالُوا بَيْننَا وَبَيْنكُم مُحَمَّد فَأتوهُ فَنزلت وَهَذَا أعظم مِمَّا ذكره فِي الْإِنْجِيل فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْإِنْجِيل فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ إخْبَاره بإنزال الْكِتَابَيْنِ يصف التَّوْرَاة بأعظم مِمَّا يصف بِهِ الْإِنْجِيل كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِذا كَانَ مَا ذكره من مدح مُوسَى والتوراة لم يُوجب ذَلِك مدح الْيَهُود الَّذين كذبُوا الْمَسِيح ومحمدا صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم تَسْلِيمًا وَلَيْسَ فِيهِ ثَنَاء على دين الْيَهُود الْمُبدل الْمَنْسُوخ بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَالنَّصَارَى فَكَذَلِك مَا ذكره من مدح الْمَسِيح وَالْإِنْجِيل لَيْسَ فِيهِ مدح النَّصَارَى الَّذين كذبُوا مُحَمَّدًا ﷺ وبدلوا أَحْكَام التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَاتبعُوا الْمُبدل الْمَنْسُوخ وَالْيَهُود توَافق الْمُسلمين على أَنه لَيْسَ فِيمَا ذكر مدح لِلنَّصَارَى وَالنَّصَارَى توَافق الْمُسلمين على أَنه لَيْسَ فِيمَا ذكر مدح للْيَهُود بعد النّسخ والتبديل فَعلم اتِّفَاق أهل الْملَل كلهَا الْمُسلمُونَ وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى على أَنه لَيْسَ فِيمَا ذكر فِي الْقُرْآن من ذكر التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ومُوسَى وَعِيسَى مدح لأهل الْكتاب الَّذين كذبُوا مُحَمَّدًا ﷺ وَلَا مدح لدينهم الْمُبدل قبل مبعثه فَلَيْسَ فِي ذَلِك مدح لمن تمسك بدين مبدل وَلَا بدين مَنْسُوخ فَكيف بِمن تمسك بدين مبدل مَنْسُوخ فصل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾ وَهَذِه حَال من قَاتل الْمُرْتَدين وأولهم الصّديق وَمن اتبعهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فهم الَّذين جاهدوا الْمُرْتَدين كأصحاب مُسَيْلمَة الْكذَّاب ومانعي الزَّكَاة وَغَيرهمَا وهم الَّذين فتحُوا الْأَمْصَار وغلبوا فَارس وَالروم وَكَانُوا أزهد النَّاس كَمَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود لأَصْحَابه أَنْتُم أَكثر صَلَاة وصياما من أَصْحَاب مُحَمَّد وهم كَانُوا خيرا مِنْكُم قَالُوا لم يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ لأَنهم كَانُوا أزهد فِي الدُّنْيَا وأرغب فِي الْآخِرَة فَهَؤُلَاءِ هم الَّذين لَا تأخذهم فِي الله لومة لائم بِخِلَاف الرافضة فَإِنَّهُم أَشد النَّاس خوفًا من لوم اللائم وَمن عدوهم وهم كَمَا قَالَ تَعَالَى