دقائق التفسير — ابن تيمية
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿٣﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِلَّا مَا ذكيتم﴾ عَائِد إِلَى مَا تقدم من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكلية السَّبع عِنْد عَامَّة الْعلمَاء كالشافعي وَأحمد بن حَنْبَل وَأبي حنيفَة وَغَيرهم
فَمَا أَصَابَهُ الْمَوْت قبل أَن يَمُوت أُبِيح لَكِن تنَازع الْعلمَاء فِيمَا يذكى من ذَلِك فَمنهمْ من قَالَ مَا تَيَقّن مَوته لَا يذكى كَقَوْل مَالك وَرِوَايَة عَن أَحْمد
وَمِنْهُم من يَقُول مَا يعِيش مُعظم الْيَوْم ذكي
وَمِنْهُم من يَقُول مَا كَانَت فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة ذكي كَمَا يَقُوله من يَقُوله من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد
ثمَّ من هَؤُلَاءِ من يَقُول الْحَيَاة المستقرة مَا يزِيد على حَرَكَة الْمَذْبُوح وَمِنْهُم من يَقُول مَا يُمكن أَن يزِيد على حَيَاة الْمَذْبُوح وَالصَّحِيح أَنه إِذا كَانَ حَيا فذكي حل أكله وَلَا يعْتَبر فِي ذَلِك حَرَكَة مَذْبُوح فَإِن حركات الْمَذْبُوح لَا تنضبط بل فِيهَا مَا يطول زَمَانه وتعظم حركته وفيهَا مَا يقل زَمَانه وتضعف حركته وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ
مَا أنهر الدَّم وَذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَكُلُوا فَمَتَى جرى الدَّم الَّذِي يجْرِي من الْمَذْبُوح الَّذِي ذبح وَهُوَ حَيّ حل أكله
وَالنَّاس يفرقون بَين دم مَا كَانَ حَيا وَدم مَا كَانَ مَيتا فَإِن الْمَيِّت يجمد دَمه ويسود وَلِهَذَا حرم الله الْميتَة لاحتقان الرطوبات فِيهَا فَإِذا جرى مِنْهُ الدَّم الَّذِي يخرج من الْمَذْبُوح الَّذِي ذبح وَهُوَ حَيّ حل أكله وَإِن تَيَقّن أَنه يَمُوت فَإِن الْمَقْصُود ذبح وَمَا فِيهِ حَيَاة فَهُوَ حَيّ وَإِن تَيَقّن أَنه يَمُوت بعد سَاعَة فعمر بن الْخطاب ﵁ تَيَقّن أَنه يَمُوت وَكَانَ حَيا جَازَت وَصيته وَصلَاته وعهوده وَقد أفتى غير وَاحِد من الصَّحَابَة ﵃ بِأَنَّهَا إِذا مصعت بذنبها أَو طرفت بِعَينهَا أَو ركضت برجلها بعد الذّبْح حلت وَلم يشترطوا أَن تكون حركتها قبل ذَلِك أَكثر من حَرَكَة الْمَذْبُوح وَهَذَا قَالَه الصَّحَابَة لِأَن الْحَرَكَة دَلِيل على الْحَيَاة وَالدَّلِيل لَا ينعكس فَلَا يلْزم إِذا لم يُوجد هَذَا مِنْهَا أَن تكون ميتَة بل قد تكون حَيَّة وَإِن لم يُوجد مِنْهَا مثل ذَلِك وَالْإِنْسَان قد يكون نَائِما فَيذْبَح وَهُوَ نَائِم وَلَا يضطرب وَكَذَلِكَ المغمي عَلَيْهِ يذبح وَلَا يضطرب وَكَذَلِكَ الدَّابَّة قد تكون حَيَّة فتذبح وَلَا تضطرب لِضعْفِهَا عَن الْحَرَكَة وَإِن كَانَت حَيَّة وَلَكِن خُرُوج الدَّم الَّذِي لَا يخرج إِلَّا من مَذْبُوح وَلَيْسَ هُوَ دم الْمَيِّت دَلِيل على الْحَيَاة وَالله أعلم
فصل
وَتجوز ذَكَاة الْمَرْأَة وَالرجل وتذبح الْمَرْأَة وَإِن كَانَت حَائِضًا فَإِن حَيْضَتهَا لَيست فِي يَدهَا وذكاة الْمَرْأَة جَائِزَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَقد ذبحت امْرَأَة شَاة فَأمر النَّبِي ﷺ بأكلها
فصل
وَالتَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة مَشْرُوعَة لَكِن قيل هِيَ مُسْتَحبَّة كَقَوْل الشَّافِعِي وَقيل وَاجِبَة مَعَ الْعمد وَتسقط مَعَ السَّهْو كَقَوْل أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَقيل تجب مُطلقًا فَلَا تُؤْكَل الذَّبِيحَة بِدُونِهَا سَوَاء تَركهَا عمدا أَو سَهوا كالرواية الْأُخْرَى عَن أَحْمد اخْتَارَهَا أَبُو الْخطاب وَغَيره وَهُوَ قَول غير وَاحِد من السّلف وَهَذَا أظهر الْأَقْوَال فَإِن الْكتاب وَالسّنة قد علقا الْحل بِذكر اسْم الله فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه
لَا يدْخل فِيهَا الشُّعُور وَمَا أشبههَا وَذَلِكَ لِأَن الْمَيِّت ضد الْحَيّ والحياة نَوْعَانِ حَيَاة الْحَيَوَان وحياة النَّبَات فحياة الْحَيَوَان خاصتها الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية وحياة النَّبَات النمو والاغتذاء
وَقَوله
إِنَّمَا هُوَ بِمَا فارقته الْحَيَاة الحيوانية دون النباتية فَإِن الزَّرْع وَالشَّجر إِذا يبس لم ينجس بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَقد تَمُوت الأَرْض وَلَا يُوجب ذَلِك نجاستها بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَإِنَّمَا الْميتَة الْمُحرمَة مَا كَانَ فِيهَا الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية وَأما الشّعْر فَإِنَّهُ يَنْمُو ويغتذي وَيطول كالزرع لَيْسَ فِيهِ حس وَلَا يَتَحَرَّك بِإِرَادَة وَلَا تحله الْحَيَاة الحيوانية حَتَّى يَمُوت بمفارقتها وَلَا وَجه لتنجيسه
وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الشّعْر جُزْءا من الْحَيَوَان لما أُبِيح أَخذه فِي حَال الْحَيَاة فَإِن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن قوم يحبونَ أسنمة الْإِبِل وأليات الْغنم فَقَالَ
مَا أبين من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة فَهُوَ ميت رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْعلمَاء فَلَو كَانَ حكم الشّعْر حكم السنام والألية لما جَازَ قطعه فِي حَال الْحَيَاة فَلَمَّا اتّفق الْعلمَاء على أَن الشّعْر وَالصُّوف إِذا جز من الْحَيَوَان كَانَ حَلَالا طَاهِرا علم أَنه لَيْسَ مثل اللَّحْم
وَأَيْضًا فقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ أعْطى شعره لما حلق رَأسه للْمُسلمين وَكَانَ النَّبِي ﷺ يستنجي ويستجمر فَمن سوى بَين الشّعْر وَالْبَوْل والعذرة فقد أَخطَأ خطأ مُبينًا
وَأما الْعِظَام وَنَحْوهَا فَإِذا قيل أَنَّهَا دَاخِلَة فِي الْميتَة لِأَنَّهَا تنجس قيل لمن قَالَ ذَلِك لم تَأْخُذُوا بِعُمُوم اللَّفْظ فَإِن مَا لَا نفس لَهُ سَائِلَة كالذباب وَالْعَقْرَب والخنفساء لَا ينجس عنْدكُمْ
وَعند جُمْهُور الْعلمَاء مَعَ أَنَّهَا ميتَة موتا حيوانيا
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم فليمقله فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَفِي الآخر شِفَاء وَمن نجس هَذَا قَالَ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ أَنه لَا ينجس الْمَائِعَات الْوَاقِعَة فِيهِ لهَذَا الحَدِيث وَإِذا كَانَ كَذَلِك علم أَن عِلّة نَجَاسَة الْميتَة إِنَّمَا هُوَ احتباس الدَّم فِيهَا فَمَا لَا نفس لَهُ سَائِلَة لَيْسَ فِيهِ دم سَائل فَإِذا مَاتَ لم يحتبس فِيهِ الدَّم فَلَا ينجس فالعظم وَنَحْوه أولى بِعَدَمِ التَّنْجِيس من هَذَا فَإِن الْعظم لَيْسَ فِيهِ دم سَائل وَلَا كَانَ متحركا بالإرادة إِلَّا على وَجه التبع
فَإِذا كَانَ الْحَيَوَان الْكَامِل الحساس المتحرك بالإرادة لَا ينجس لكَونه لَيْسَ فِيهِ دم سَائل فَكيف ينجس الْعظم الَّذِي لَيْسَ فِيهِ سَائل
وَمِمَّا يبين صِحَة قَول الْجُمْهُور أَن الله إِنَّمَا حرم علينا الدَّم المسفوح كَمَا قَالَ تَعَالَى
عُمُوم مَحْفُوظ لم تخص مِنْهُ صُورَة بِخِلَاف طَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب فَإِنَّهُ يشْتَرط لَهُ الذَّكَاة المبيحة فَلَو ذكى الْكِتَابِيّ فِي غير الْمحل الْمَشْرُوع لم تبح ذَكَاته وَلِأَن غَايَة الْكِتَابِيّ أَن تكون ذَكَاته كَالْمُسلمِ وَالْمُسلم لَو ذبح لغير الله أَو ذبح باسم غير الله لم يبح وَإِن كَانَ يكفر بذلك فَكَذَلِك الذِّمِّيّ لِأَن قَوْله تَعَالَى
قَولَانِ
أَحدهمَا أَن نفس الذّبْح كَانَ يكون عَلَيْهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ فَيكون ذبحهم غير الْأَصْنَام فَيكون الذّبْح عَلَيْهَا لأجل أَن الْمَذْبُوح عَلَيْهَا مَذْبُوح للأصنام أَو مَذْبُوح لَهَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيم كل مَا ذبح لغير الله وَلِأَن الذّبْح فِي الْبقْعَة لَا تَأْثِير لَهُ إِلَّا من جِهَة الذّبْح لغير الله كَمَا كرهه النَّبِي ﷺ من الذّبْح فِي مَوَاضِع أصنام الْمُشْركين ومواضع أعيادهم وَإِنَّمَا يكره الْمَذْبُوح فِي الْبقْعَة الْمعينَة لكَونهَا مَحل شرك فَإِذا وَقع الذّبْح حَقِيقَة لغير الله كَانَت حَقِيقَة التَّحْرِيم قد وجدت فِيهِ
وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الذّبْح على النصب أَي لأجل النصب كَمَا قيل
أولم رَسُول الله ﷺ على زَيْنَب بِخبْز وَلحم وَأطْعم فلَان على وَلَده وَذبح فلَان على وَلَده وَنَحْو ذَلِك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ وَهَذَا ظَاهر على قَول من يَجْعَل النصب نفس الْأَصْنَام وَلَا مُنَافَاة بَين كَون الذّبْح لَهَا وَبَين كَونهَا كَانَت تلوث بِالدَّمِ
وعَلى هَذَا القَوْل فالدلالة ظَاهِرَة
وَاخْتِلَاف هذَيْن الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿على النصب﴾ نَظِير الِاخْتِلَاف فِي قَوْله تَعَالَى
كَمَا قد أومأنا إِلَيْهِ
وفيهَا قَول ثَالِث ضَعِيف أَن الْمَعْنى على اسْم النّصْف وَهَذَا ضَعِيف لِأَن هَذَا الْمَعْنى حَاصِل من قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ فَيكون تكريرا لَكِن اللَّفْظ يحْتَملهُ كَمَا روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن ابْن عمر ﵄ أَنه كَانَ يحدث عَن رَسُول الله ﷺ
أَنه لَقِي زيد بن عَمْرو بن نفَيْل بِأَسْفَل بلدح وَذَلِكَ قبل أَن ينزل على رَسُول الله ﷺ الْوَحْي فَقدمت إِلَى رَسُول الله ﷺ سفرة فِيهَا لحم فَأبى أَن يَأْكُل مِنْهَا ثمَّ قَالَ زيد إِنِّي لست آكل مِمَّا تذبحون على أنصابكم وَلَا آكل إِلَّا مَا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ
فصل
قَالَ شيخ الْإِسْلَام
الْجِنّ مأمورون ومنهيون كالإنس وَقد بعث الله الرُّسُل من الْإِنْس إِلَيْهِم وَإِلَى الْإِنْس وَأمر الْجَمِيع بِطَاعَة الرُّسُل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم يقصون عَلَيْكُم آياتي وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا شَهِدنَا على أَنْفُسنَا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا وشهدوا على أنفسهم أَنهم كَانُوا كَافِرين﴾ وَهَذَا بعد قَوْله