×
الجاثيةالآية ٢١

دقائق التفسير — ابن تيمية

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءًۭ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٢١﴾

وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ جَمِيعهم سبقت لَهُم من الله تَعَالَى السوابق وَكتب الله تَعَالَى مقاديرهم قبل أَن يخلقهم وهم مَعَ هَذَا قد انقسموا إِلَى سعيد بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وَإِلَى شقي بالْكفْر والفسوق والعصيان فَعلم بذلك أَن الْقَضَاء وَالْقدر لَيْسَ بِحجَّة لأحد على معاصي الله تَعَالَى الْوَجْه الرَّابِع أَن الْقدر نؤمن بِهِ وَلَا نحتج بِهِ فَمن احْتج بِالْقدرِ فحجته داحضة وَمن اعتذر بِالْقدرِ فعذره غير مَقْبُول وَلَو كَانَ الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ مَقْبُولًا لقبل من إِبْلِيس وَغَيره من العصاة وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة للعباد لم يعذب الله أحدا من الْخلق لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لم يقطع سَارِق وَلَا قتل قَاتل وَلَا أقيم حد على ذِي جريمة وَلَا جوهد فِي سَبِيل الله وَلَا أَمر بِمَعْرُوف وَلَا نهي عَن مُنكر الْوَجْه الْخَامِس أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب مَقْعَده من النَّار ومقعده من الْجنَّة فَقيل يَا رَسُول الله أَفلا نَدع الْعَمَل ونتكل على الْكتاب فَقَالَ لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَفِي حَدِيث آخر فِي الصَّحِيح أَنه قيل لَهُ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت مَا يعْمل النَّاس فِيهِ ويكدحون أفيما جَفتْ بِهِ الأقلام وطويت بِهِ الصُّحُف فَقيل فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ الْوَجْه السَّادِس أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى علم الْأُمُور وكتبها على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ قد كتب أَن فلَانا يُؤمن وَيعْمل صَالحا فَيدْخل الْجنَّة وَفُلَانًا يفسق ويعصي فَيدْخل النَّار كَمَا علم وَكتب أَن فلَانا يتَزَوَّج امْرَأَة ويطؤها فيأتيه ولد وَأَن فلَانا يَأْكُل وَيشْرب فيشبع ويروى وَأَن فلَانا يبذر الْبذر فينبت الزَّرْع فَمن قَالَ إِن كنت من أهل الْجنَّة فَأَنا أدخلها بِلَا عمل صَالح كَانَ قَوْله قولا بَاطِلا متناقضا لما علمه الله وَقدره وَمِثَال من يَقُول أَنا لَا أَطَأ امْرَأَة فَإِن كَانَ الله قضى لي بِولد فَهُوَ يُولد فَهَذَا جَاهِل فَإِن الله تَعَالَى إِذا قضى بِالْوَلَدِ قضى أَن أَبَاهُ يطَأ امْرَأَة فتحبل وتلد فَأَما الْوَلَد بِلَا حَبل وَلَا وَطْء فَإِن الله لم يقدره وَلم يَكْتُبهُ كَذَلِك الْجنَّة إِنَّمَا أعدهَا الله تَعَالَى للْمُؤْمِنين فَمن ظن أَنه يدْخل الْجنَّة بِلَا إِيمَان كَانَ ظَنّه بَاطِلا وَإِذا اعْتقد أَن الْأَعْمَال الَّتِي أَمر الله بهَا لَا يحْتَاج إِلَيْهَا وَلَا فرق بَين أَن يعملها أَو لَا يعملها كَانَ كَافِرًا وَالله قد حرم الْجنَّة إِلَّا على أَصْحَابهَا فصل وَأما قَوْله تَعَالَى