دقائق التفسير — ابن تيمية
۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًۭا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌۭ ﴿٥١﴾
وَمن قَالَ إِن الله كلمنا بِالْقُرْآنِ كَمَا كلم مُوسَى بن عمرَان أَو إِنَّا نسْمع كَلَامه كَمَا سَمعه مُوسَى بن عمرَان فَهُوَ من أعظم النَّاس جهلا وضلالا
وَلَو قَالَ قَائِل إِنَّا نسْمع كَلَام النَّبِي ﷺ كَمَا سَمعه الصَّحَابَة مِنْهُ لَكَانَ ضلاله وَاضحا فَكيف من يَقُول أَنا أسمع كَلَام الله مِنْهُ كَمَا سَمعه مُوسَى وَإِن كَانَ الله كلم مُوسَى تكليما بِصَوْت سَمعه مُوسَى فَلَيْسَ صَوت المخلوقين صَوتا للخالق وَكَذَلِكَ مناداته لِعِبَادِهِ بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب وتكلمه بِالْوَحْي حَتَّى يسمع أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض صَوته كجر السلسلة على الصَّفَا وأمثال ذَلِك مِمَّا جَاءَت بِهِ النُّصُوص والْآثَار كلهَا لَيْسَ فِيهَا أَن
صفة الْمَخْلُوق هِيَ صفة الْخَالِق بل وَلَا مثلهَا بل فِيهَا الدّلَالَة على الْفرق بَين صفة الْخَالِق وَبَين صفة الْمَخْلُوق فَلَيْسَ كَلَامه مثل كَلَامه وَلَا مَعْنَاهُ مثل مَعْنَاهُ وَلَا حرفه مثل حرفه وَلَا صَوته مثل صَوته كَمَا أَنه لَيْسَ علمه مثل علمه وَلَا قدرته مثل قدرته وَلَا سَمعه مثل سَمعه وَلَا بَصَره مثل بَصَره فَإِن الله لَيْسَ كمثله شَيْء لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله
وَلما اسْتَقر فِي فطر الْخلق كلهم الْفرق بَين سَماع الْكَلَام من الْمُتَكَلّم بِهِ ابْتِدَاء وَبَين سَمَاعه من الْمبلغ عَنهُ كَانَ ظُهُور هَذَا الْفرق فِي سَماع كَلَام الله من المبلغين عَنهُ أوضح من أَن يحْتَاج إِلَى الإطناب
وَقد بَين أَئِمَّة السّنة وَالْعلم كَالْإِمَامِ أَحْمد وَالْبُخَارِيّ صَاحب الصَّحِيح فِي كِتَابه فِي خلق الْأَفْعَال وَغَيرهمَا من أَئِمَّة السّنة من الْفرق بَين صَوت الله المسموع مِنْهُ وَصَوت الْعباد بِالْقُرْآنِ وَغَيره مَا لَا يخالفهم فِيهِ أحد من الْعلمَاء أهل الْعقل وَالدّين
فصل
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ فَهَذَا قد ذكره فِي موضِعين فَقَالَ فِي الحاقة ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم وَمَا هُوَ بقول شَاعِر قَلِيلا مَا تؤمنون وَلَا بقول كَاهِن قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ فالرسول هُنَا مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ فِي التكوير ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش مكين مُطَاع ثمَّ أَمِين وَمَا صَاحبكُم بمجنون وَلَقَد رَآهُ بالأفق الْمُبين﴾ فالرسول هُنَا جِبْرِيل فأضافه إِلَى الرَّسُول من الْبشر تَارَة وَإِلَى الرَّسُول من الْمَلَائِكَة تَارَة باسم الرَّسُول وَلم يقل إِنَّه لقَوْل ملك وَلَا نَبِي لِأَن لفظ الرَّسُول يبين أَنه مبلغ عَن غَيره لَا منشيء لَهُ من عِنْده ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ فَكَانَ قَوْله ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ بِمَنْزِلَة قَوْله لتبليغ رَسُول أَو مبلغ من رَسُول كريم أَو جَاءَ بِهِ رَسُول كريم أَو مسموع عَن رَسُول كريم وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه أنشأه أَو أحدثه أَو أنشأ شَيْئا مِنْهُ أَو أحدثه رَسُول كريم إِذْ لَو كَانَ منشئا لم يكن رَسُولا فِيمَا أنشأه وابتدأه وَإِنَّمَا يكون رَسُولا فِيمَا بلغه وَأَدَّاهُ وَمَعْلُوم أَن الضَّمِير عَائِد إِلَى الْقُرْآن مُطلقًا
وَأَيْضًا فَلَو كَانَ أحد الرسولين أنشأ حُرُوفه ونظمه امْتنع أَن يكون الرَّسُول الآخر هُوَ المنشىء الْمُؤلف لَهَا فَبَطل أَن تكون إِضَافَته إِلَى الرَّسُول لأجل أَحْدَاث لَفظه ونظمه وَلَو جَازَ
أَن تكون الْإِضَافَة هُنَا لأجل إِحْدَاث الرَّسُول لَهُ أَو لشَيْء مِنْهُ لجَاز أَن نقُول إِنَّه قَول الْبشر وَهَذَا قَول الوحيد الَّذِي أصلاه الله سقر
فَإِن قَالَ قَائِل فالوحيد جعل الْجَمِيع قَول الْبشر وَنحن نقُول إِن الْكَلَام الْعَرَبِيّ قَول الْبشر وَأما مَعْنَاهُ فَهُوَ كَلَام الله
فَيُقَال لَهُم هَذَا نصف قَول الوحيد ثمَّ هَذَا بَاطِل من وُجُوه أُخْرَى
وَهُوَ أَن مَعَاني هَذَا النّظم معَان مُتعَدِّدَة متنوعة وَأَنْتُم تَجْعَلُونَ ذَلِك الْمَعْنى وَاحِدًا هُوَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار وتجعلون ذَلِك الْمَعْنى إِذا عبر عَنهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وَإِذا عبر عَنهُ بالعبرانية كَانَ توراة وَإِذا عبر عَنهُ بالسُّرْيَانيَّة كَانَ إنجيلا وَهَذَا مِمَّا يعلم بُطْلَانه بِالضَّرُورَةِ من الْعقل وَالدّين فَإِن التَّوْرَاة إِذا عربناها لم يكن مَعْنَاهَا معنى الْقُرْآن وَالْقُرْآن إِذا ترجمناه بالعبرانية لم يكن مَعْنَاهُ معنى التَّوْرَاة
وَأَيْضًا فَإِن معنى آيَة الْكُرْسِيّ لَيْسَ هُوَ معنى آيَة الدّين وَإِنَّمَا يَشْتَرِكَانِ فِي معنى الْكَلَام ومسمى كَلَام الله كَمَا تشترك الْأَعْيَان فِي مُسَمّى النَّوْع فَهَذَا الْكَلَام وَهَذَا الْكَلَام وَهَذَا الْكَلَام كُله يشْتَرك فِي أَنه كَلَام الله اشْتِرَاك الْأَشْخَاص فِي أَنْوَاعهَا كَمَا أَن هَذَا الْإِنْسَان وَهَذَا الْإِنْسَان وَهَذَا الْإِنْسَان يشتركون فِي مُسَمّى الْإِنْسَان وَلَيْسَ فِي الْخَارِج خص بِعَيْنِه هُوَ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي الْخَارِج كَلَام وَاحِد هُوَ معنى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَهُوَ معنى آيَة الدّين وَآيَة الْكُرْسِيّ
وَمن خَالف هَذَا كَانَ فِي مُخَالفَته لصريح الْمَعْقُول من جنس من قَالَ إِن أصوات الْعباد وأفعالهم قديمَة أزلية فَاضْرب بِكَلَام البدعتين رَأس قائلهما والزم الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ
وبسبب هَاتين البدعتين الحمقاوين ثارت الْفِتَن وعظمت الإحن وَإِن كَانَ كل من أَصْحَاب الْقَوْلَيْنِ قد يفسرونهما بِمَا قد يلتبس على كثير من النَّاس كَمَا فسر من قَالَ إِن الصَّوْت المسموع من العَبْد أَو بعضه قديم وَأَن الْقَدِيم ظهر فِي الْمُحدث من غير حُلُول فِيهِ
وَأما أَفعَال الْعباد فَرَأَيْت بعض الْمُتَأَخِّرين يزْعم أَنَّهَا قديمَة خَيرهَا وشرها وَفسّر ذَلِك بِأَن الشَّرْع قديم وَالْقدر قديم وَهِي مَشْرُوعَة مقدرَة وَلم يفرق بَين الشَّرْع الَّذِي هُوَ كَلَام الله والمشروع الَّذِي هُوَ الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ وَلم يفرق بَين الْقدر الَّذِي هُوَ علم الله وَكَلَامه وَبَين الْمَقْدُور الَّذِي هُوَ مخلوقاته والعقلاء كلهم يعلمُونَ بالاضطرار أَن الْأَمر وَالْخَبَر نَوْعَانِ للْكَلَام لَفظه وَمَعْنَاهُ لَيْسَ الْأَمر وَالْخَبَر صِفَات لموصوف وَاحِد فَمن جعل الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر صِفَات للْكَلَام لَا أنواعا لَهُ فقد خَالف ضَرُورَة الْعقل وَهَؤُلَاء فِي هَذَا بِمَنْزِلَة من زعم أَن الْوُجُود
وَاحِد إِذْ لم يفرق بَين الْوَاحِد بالنوع وَالْوَاحد بِالْعينِ فَإِن انقسام الْمَوْجُود إِلَى الْقَدِيم والمحدث وَالْوَاجِب والممكن والخالق والمخلوق والقائم بِنَفسِهِ والقائم بِغَيْرِهِ كانقسام الْكَلَام إِلَى الْأَمر وَالْخَبَر أَو إِلَى الْإِنْشَاء والإخبار أَو إِلَى الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر فَمن قَالَ الْكَلَام معنى وَاحِد هُوَ الْأَمر وَالْخَبَر فَهُوَ كمن قَالَ الْوُجُود وَاحِد هُوَ الْخَالِق والمخلوق أَو الْوَاجِب والممكن وكما أَن حَقِيقَة هَذَا تؤول إِلَى تَعْطِيل الْخَالِق فحقيقة هَذَا تؤول إِلَى تَعْطِيل
فَجعل التكليم ثَلَاثَة أَنْوَاع الْوَحْي الْمُجَرّد والتكليم من وَرَاء حجاب كَمَا كلم مُوسَى ﵇ والتكليم بِوَاسِطَة إرْسَال الرَّسُول كَمَا كلم الرُّسُل بإرسال الْمَلَائِكَة وكما نبأنا الله من أَخْبَار الْمُنَافِقين بإرسال مُحَمَّد ﷺ
والمسلمون متفقون على أَن الله أَمرهم بِمَا أَمرهم بِهِ فِي الْقُرْآن ونهاهم عَمَّا نَهَاهُم عَنهُ فِي الْقُرْآن وَأخْبرهمْ بِمَا أخْبرهُم بِهِ فِي الْقُرْآن فَأمره وَنَهْيه وإخباره بِوَاسِطَة الرَّسُول فَهَذَا تكليم مُقَيّد بِالْإِرْسَال وسماعنا لكَلَامه سَماع مُقَيّد بِسَمَاعِهِ من الْمبلغ لَا مِنْهُ وَهَذَا الْقُرْآن كَلَام الله مبلغا عَنهُ مؤدا عَنهُ ومُوسَى سمع كَلَامه مسموعا مِنْهُ لَا مبلغا عَنهُ وَلَا مؤدا عَنهُ وَإِذا عرف هَذَا الْمَعْنى زاحت الشُّبْهَة
وَالنَّبِيّ ﷺ يروي عَن ربه ويخبر عَن ربه ويحكي عَن ربه فَهَذَا يذكر مَا يذكرهُ عَن ربه من كَلَامه الَّذِي قَالَه رَاوِيا حاكيا عَنهُ فَلَو قَالَ من قَالَ إِن الْقُرْآن حِكَايَة إِن مُحَمَّدًا حَكَاهُ عَن الله كَمَا يُقَال بلغه عَن الله وَأَدَّاهُ عَن الله لَكَانَ قد قصد معنى صَحِيحا لَكِن يقصدون مَا يَقْصِدهُ الْقَائِل بقوله فلَان يَحْكِي فلَانا أَي يفعل مثل فعله وَهُوَ أَنه يتَكَلَّم بِمثل كَلَام الله فَهَذَا بَاطِل قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾
ونكتة الْأَمر أَن الْعبْرَة بِالْحَقِيقَةِ الْمَقْصُودَة لَا بالوسائل الْمَطْلُوبَة لغَيْرهَا فَلَمَّا كَانَ مَقْصُود الرَّائِي أَن يرى الْوَجْه مثلا فَرَآهُ فِي الْمَرْأَة حصل مَقْصُوده وَقَالَ رَأَيْت الْوَجْه وَإِن كَانَ ذَلِك بِوَاسِطَة انعكاس الشعاع فِي الْمرْآة وَكَذَلِكَ من كَانَ مَقْصُوده أَن يسمع القَوْل الَّذِي قَالَه غَيره الَّذِي ألف أَلْفَاظه وَقصد مَعَانِيه فَإِذا سَمعه مِنْهُ أَو من غَيره حصل هَذَا الْمَقْصُود وَإِن كَانَ سَمَاعه من غَيره هُوَ بِوَاسِطَة صَوت ذَلِك الْغَيْر الَّذِي يتَخَلَّف باخْتلَاف الصائتين والقلوب إِنَّمَا تُشِير إِلَى الْمَقْصُود لَا إِلَى مَا ظهر بِهِ الْمَقْصُود كَمَا فِي الِاسْم والمسمى فَإِن الْقَائِل إِذا قَالَ جَاءَ زيد وَذهب عَمْرو وَلم يكن مَقْصُوده إِلَّا الْإِخْبَار بالمجيء عَن الْمُسَمّى وَلَكِن بِذكر الِاسْم أظهر ذَلِك
فَمن ظن أَن الْمَوْصُوف بالمجيء والإتيان هُوَ لفظ زيد أَو لفظ عَمْرو كَانَ مُبْطلًا فَكَذَلِك إِذا قَالَ الْقَائِل هَذَا كَلَام الله وَكَلَام الله غير مَخْلُوق فالمقصود هُنَا الْكَلَام نَفسه من حَيْثُ هُوَ هُوَ وَإِن كَانَ إِنَّمَا ظهر وَسمع بِوَاسِطَة حَرَكَة التَّالِي وصوته فَمن ظن أَن الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ صَوت القارىء وحركته كَانَ مُبْطلًا وَلِهَذَا لما قَرَأَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ على الإِمَام أَحْمد ﵁ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَسَأَلَهُ هَل هَذَا كَلَام الله وَهل هُوَ مَخْلُوق فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ كَلَام الله وَأَنه غير مَخْلُوق فَنقل عَنهُ أَبُو طَابَ خطأ مِنْهُ أَنه قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق فاستدعاه وَغَضب عَلَيْهِ وَقَالَ أَنا قلت لَك لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق قَالَ لَا وَلَكِن قَرَأت عَلَيْك ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَقلت لَك هَذَا غير مَخْلُوق فَقلت نعم قَالَ فَلم تحكي عني مَا لم أقل لَا تقل هَذَا فَإِن هَذَا لم يقلهُ عَالم وقصته مَشْهُورَة حَكَاهَا عبد الله وَصَالح وحنبل والمروذي وفوزان وبسطها الْخلال فِي كتاب السّنة وصنف الْمَرْوذِيّ فِي مَسْأَلَة اللَّفْظ مصنفا ذكر فِيهِ أَقْوَال الْأَئِمَّة
وَهَذَا الَّذِي ذكره الإِمَام أَحْمد من أحسن الْكَلَام وأدقه فَإِن الْإِشَارَة إِذا أطلقت انصرفت إِلَى الْمَقْصُود وَهُوَ كَلَام الله الَّذِي تكلم بِهِ لَا إِلَى مَا وصل بِهِ إِلَيْنَا من أَفعَال الْعباد وأصواتهم فَإِذا قيل لَفْظِي جعل نفس الوسائط غير مخلوقة وَهَذَا بَاطِل كَمَا أَن من رأى وَجها فِي مرْآة فَقَالَ أكْرم الله هَذَا الْوَجْه وحياه أَو قبحه كَانَ دعاؤه على الْوَجْه الْمَوْجُود فِي الْحَقِيقَة الَّذِي رأى بِوَاسِطَة الْمرْآة لَا على الشعاع المنعكس فِيهَا وَكَذَلِكَ إِذا رأى الْقَمَر فِي المَاء فَقَالَ قد أبدر أَو لم يبدر فَإِنَّمَا مَقْصُوده الْقَمَر الَّذِي فِي السَّمَاء لَا خياله وَكَذَلِكَ من سَمعه يذكر رجلا فَقَالَ هَذَا رجل صَالح أَو رجل فَاسق علم أَن الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ الشَّخْص الْمُسَمّى بِالِاسْمِ لَا نفس
الصَّوْت المسموع من النَّاطِق فَلَو قَالَ هَذَا الصَّوْت أَو صوتي بفلان صَالح أَو فَاسق فسد الْمَعْنى
وَكَانَ بَعضهم يَقُول لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَرَأى فِي مَنَامه وضارب يضْربهُ وَعَلِيهِ فَرْوَة فأوجعه بِالضَّرْبِ فَقَالَ لَهُ لَا تضربني فَقَالَ أَنا مَا أضربك وَإِنَّمَا أضْرب الفروة فَقَالَ إِنَّمَا يَقع الضَّرْب عَليّ فَقَالَ هَكَذَا إِذا قلت لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فالخلق إِنَّمَا يَقع على الْقُرْآن يَقُول كَمَا أَن الْمَقْصُود بِالضَّرْبِ بدنك واللباس وَاسِطَة فَهَكَذَا الْمَقْصُود بالتلاوة كَلَام الله وصوتك وَاسِطَة فَإِذا قلت مَخْلُوق وَقع ذَلِك على الْمَقْصُود كَمَا إِذا سَمِعت قَائِلا يذكر رجلا فَقلت أَنا أحب هَذَا وَأَنا أبْغض هَذَا انْصَرف الْكَلَام إِلَى الْمُسَمّى الْمَقْصُود بِالِاسْمِ لَا إِلَى صَوت الذاكر وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّة الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق كَيْفَمَا تصرف بِخِلَاف أَفعَال الْعباد وأصواتهم فَإِنَّهُ من نفى عَنْهَا الْخلق كَانَ مبتدعا ضَالًّا
فصل
وَأما قَول الْقَائِل تَقولُونَ إِن الْقُرْآن صفة الله وَإِن صِفَات الله غير مخلوقة فَإِن قُلْتُمْ أَن هَذَا نفس كَلَام الله فقد قُلْتُمْ بالحلول وَأَنْتُم تكفرون بالحلولية والاتحادية وَإِن قُلْتُمْ مغير ذَلِك قُلْتُمْ بمقالتنا
فَمن تبين لَهُ مَا نبهنا عَلَيْهِ سهل عَلَيْهِ الْجَواب عَن هَذَا وَأَمْثَاله فَإِن منشأ الشُّبْهَة أَن قَول الْقَائِل هَذَا كَلَام الله يَجْعَل أَحْكَامه وَاحِدَة سَوَاء كَانَ كَلَامه مسموعا مِنْهُ أَو كَلَامه مبلغا عَنهُ
وَمن هُنَا تخْتَلف طوائف من النَّاس
طَائِفَة قَالَت هَذَا كَلَام الله وَهَذَا حُرُوف وأصوات مخلوقة فَكَلَام الله مَخْلُوق
وَطَائِفَة قَالَت هَذَا مَخْلُوق وَكَلَام الله لَيْسَ بمخلوق فَهَذَا لَيْسَ كَلَام الله
وَطَائِفَة قَالَت هَذَا كَلَام الله وَكَلَام الله لَيْسَ بمخلوق وَهَذَا ألفاظنا وتلاوتنا فألفاظنا وتلاوتنا غير مخلوقة
ومنشأ ضلال الْجَمِيع من عدم الْفرق فِي الْمشَار إِلَيْهِ فِي هَذَا فَأَنت تَقول هَذَا الْكَلَام الَّذِي تسمعه من قَائِله صدق وَحقّ وصواب وَهُوَ كَلَام حَكِيم وَكَذَلِكَ إِذا سمعته من ناقله تَقول هَذَا الْكَلَام صدق وَحقّ وصواب وَهُوَ كَلَام حَكِيم فالمشار إِلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِد وَتقول أَيْضا إِن هَذَا صَوت حسن وَهَذَا كَلَام من وسط الْقلب ثمَّ إِذا سمعته من النَّاقِل تَقول هَذَا صَوت حسن أَو كَلَام من وسط الْقلب فالمشار إِلَيْهِ هُنَا لَيْسَ هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ
هُن