×
فصلتالآية ١١

دقائق التفسير — ابن تيمية

ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌۭ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴿١١﴾

سُورَة فصلت ١١ وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله قدر مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كَانَ الله وَلم يكن شَيْء قبله وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَفِي رِوَايَة ثمَّ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض والْآثَار متواترة عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِمَا يُوَافق الْقُرْآن وَالسّنة من أَن الله تَعَالَى خلق السَّمَوَات من بخار المَاء الَّذِي سَمَّاهُ الله دخانا وَقد تكلم عُلَمَاء الْمُسلمين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ فِي أول هَذِه الْمَخْلُوقَات على قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْحَافِظ أَبُو الْعَلَاء الْهَمدَانِي وَغَيره أَحدهمَا أَنه هُوَ الْعَرْش وَالثَّانِي أَنه هُوَ الْقَلَم ورجحوا القَوْل الأول لما دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة أَن الله تَعَالَى لما قدر مقادير الْخَلَائق بالقلم الَّذِي أمره أَن يكْتب فِي اللَّوْح كَانَ عَرْشه على المَاء فَكَانَ الْعَرْش مخلوقا قبل الْقَلَم قَالُوا الْآثَار المروية أَن أول مَا خلق الله الْقَلَم مَعْنَاهَا من هَذَا الْعَالم وَقد اخبر الله تَعَالَى أَنه خلقه فِي سِتَّة أَيَّام فَكَانَ حِين خلقه زمن يقدر بِهِ خلقه ينْفَصل إِلَى أَيَّام فَعلم أَن الزَّمَان كَانَ مَوْجُودا قبل أَن يخلق الله الشَّمْس وَالْقَمَر ويخلق فِي هَذَا الْعَالم اللَّيْل وَالنَّهَار وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي خطبَته عَام حجَّة الْوَدَاع إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيئَةِ يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض السّنة اثْنَا عشر شهرا وَمِنْهَا أَرْبَعَة حرم ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب مُضر الَّذِي بَين جمادي وَشَعْبَان وَفِي الصَّحِيح عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ خطْبَة فَذكر بَدْء الْخلق حَتَّى دخل أهل الْجنَّة مَنَازِلهمْ وَأهل النَّار مَنَازِلهمْ هَذَا وَفِي التَّوْرَاة مَا يُوَافق خبر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن وَأَن الأَرْض كَانَت مغمورة بِالْمَاءِ والهواء يهب فَوق المَاء وَأَن فِي أول الْأَمر خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَنه خلق ذَلِك فِي أَيَّام وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من عُلَمَاء اهل الْكتاب مَا ذكره الله تَعَالَى فِي التَّوْرَاة يدل على أَنه خلق هَذَا الْعَالم من مَادَّة أُخْرَى وَأَنه خلق ذَلِك فِي أزمان قبل أَن يخلق الشَّمْس وَالْقَمَر وَلَيْسَ فِيمَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ فِي الْقُرْآن وَغَيره أَنه خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض من غير مَادَّة وَلَا أَنه خلق الْإِنْس أَو الْجِنّ أَو الْمَلَائِكَة من غير مَادَّة بل يخبر أَنه خلق ذَلِك من مَادَّة وَإِن كَانَت الْمَادَّة مخلوقة من مَادَّة أُخْرَى كَمَا خلق الْإِنْس من آدم وَخلق آدم من طين وَفِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ خلقت الْمَلَائِكَة من نور وخلقت الجان من مارج من نَار وَخلق آدم مِمَّا وصف لكم وَالْمَقْصُود هُنَا أَن الْمَنْقُول عَن أساطين الفلاسفة القدماء لَا يُخَالف مَا أخْبرت بِهِ الْأَنْبِيَاء من خلق هَذَا الْعَالم من مَادَّة بل الْمَنْقُول عَنْهُم أَن هَذَا الْعَالم مُحدث كَائِن بعد إِن لم يكن وَأما قَوْلهم فِي تِلْكَ الْمَادَّة هَل هِيَ قديمَة الْأَعْيَان أَو محدثة بعد أَن لم تكن أَو محدثة من مَادَّة أُخْرَى بعد مَادَّة قد تضطرب النقول عَنْهُم فِي هَذَا الْبَاب وَالله أعلم بِحَقِيقَة مَا يَقُوله كل من هَؤُلَاءِ فَإِنَّهَا أمة عربت كتبهمْ ونقلت من لِسَان إِلَى لِسَان وَفِي مثل ذَلِك قد يدْخل من الْغَلَط وَالْكذب مَا لَا يعلم حَقِيقَته وَلَكِن مَا تواطأت بِهِ النقول عَنْهُم يبْقى مثل الْمُتَوَاتر وَلَيْسَ لنا غَرَض معِين فِي معرفَة قَول كل وَاحِد مِنْهُم بل