دقائق التفسير — ابن تيمية
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا ﴿١٥٧﴾
وأضاف هَذَا القَوْل إِلَيْهِم
وذمهم عَلَيْهِ وَلم يذكر النَّصَارَى لِأَن الَّذين توَلّوا صلب المصلوب الْمُشبه بِهِ هم الْيَهُود وَلم يكن أحد من النَّصَارَى شَاهدا مَعَهم بل كَانَ الحواريون خَائِفين غائبين فَلم يشْهد أحد مِنْهُم الصلب وَإِنَّمَا شهده الْيَهُود وهم الَّذين أخبروا النَّاس أَنهم صلبوا الْمَسِيح وَالَّذين نقلوا أَن الْمَسِيح صلب من النَّصَارَى وَغَيرهم إِنَّمَا نقلوه عَن أُولَئِكَ الْيَهُود وهم شَرط من أعوان الظلمَة لم يَكُونُوا خلقا كثيرا يمْتَنع تواطؤهم على الْكَذِب
قَالَ تَعَالَى
فنفى عَنهُ الْقَتْل ثمَّ قَالَ
وَالْيَهُود لم يدعوا قتل لاهوت وَلَا أثبتوا لله لاهوتا فِي الْمَسِيح وَالله تَعَالَى لم يذكر دَعْوَى قَتله عَن النَّصَارَى حَتَّى يُقَال إِن مقصودهم قتل الناسوت دون اللاهوت بل عَن الْيَهُود الَّذين لَا يثبتون إِلَّا الناسوت
وَقد زَعَمُوا أَنهم قَتَلُوهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ فَأثْبت رفع الَّذِي قَالُوا إِنَّهُم قَتَلُوهُ وَإِنَّمَا هُوَ الناسوت فَعلم أَنه هُوَ الَّذِي نفي عَنهُ الْقَتْل وَهُوَ الَّذِي رفع وَالنَّصَارَى معترفون بِرَفْع الناسوت لَكِن يَزْعمُونَ أَنه صلب وَأقَام فِي الْقَبْر إِمَّا يَوْمًا وَإِمَّا ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ صعد إِلَى السَّمَاء وَقعد عَن يَمِين الْأَب الناسوت مَعَ اللاهوت
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا﴾ مَعْنَاهُ أَن نفي قَتله هُوَ يَقِين لَا ريب فِيهِ بِخِلَاف الَّذين اخْتلفُوا بِأَنَّهُم فِي شكّ مِنْهُ من قَتله وَغير قَتله فليسوا مستيقنين أَنه قتل إِذْ لَا حجَّة مَعَه بذلك
وَلذَلِك كَانَت طَائِفَة من النَّصَارَى يَقُولُونَ إِنَّه لم يصلب فَإِن الَّذين صلبوا المصلوب هم الْيَهُود وَكَانَ قد اشْتبهَ عَلَيْهِم الْمَسِيح بِغَيْرِهِ كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَكَذَلِكَ عِنْد أهل الْكتاب أَنه اشْتبهَ بِغَيْرِهِ فَلم يعرفوا من هُوَ الْمَسِيح من أُولَئِكَ حَتَّى قَالَ لَهُم بعض النَّاس أَنا أعرفهُ فعرفوه وَقَول من قَالُوا معنى الْكَلَام مَا قَتَلُوهُ علما بل ظنا قَول ضَعِيف
الْوَجْه الرَّابِع أَنه قَالَ تَعَالَى
وَفِي ذَلِك فَائِدَتَانِ
إِحْدَاهمَا بَيَان أَنه مَوْلُود وَالله لم يُولد
وَالثَّانيَِة نسبته إِلَى مَرْيَم بِأَنَّهُ ابْنهَا لَيْسَ هُوَ ابْن الله
وَأما قَوْله