دقائق التفسير — ابن تيمية
ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌۭ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴿٣٢﴾
فَذكر مِنْهُم صنفا من الْأَصْنَاف وَالْعَبْد يعم الْجَمِيع فالظالم لنَفسِهِ المخل بِبَعْض الْوَاجِب والمقتصد الْقَائِم بِهِ وَالسَّابِق المتقرب بالنوافل بعد الْفَرَائِض وكل من النَّاس يدْخل فِي هَذَا بِحَسب طَرِيقه وَالتَّفْسِير والترجمة بِبَيَان النَّوْع وَالْجِنْس ليقرب الْفَهم على الْمُخَاطب كَمَا قَالَ الأعجمي مَا الْخبز فَقيل لَهُ هَذَا وأشير إِلَى الرَّغِيف فالغرض الْجِنْس لَا هَذَا الشَّخْص فَهَكَذَا تَفْسِير كثير من السّلف وَهُوَ من جنس التَّعْلِيم فَقَوْل من قَالَ نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَلَام صَحِيح فَإِن من مَعَاني كَونه نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن يكون هاديا لَهُم أما أَنهم نفوا مَا سوى ذَلِك فَهَذَا غير مَعْلُوم وَأما أَنهم أَرَادوا ذَلِك فقد ثَبت عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ إِن ربكُم لَيْسَ عِنْده ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَاوَات من نور وَجهه وَقد تقدم عَن النَّبِي ﷺ من ذكر وَجهه وَفِي رِوَايَة النُّور مَا فِيهِ كِفَايَة فَهَذَا بَيَان معنى غير الْهِدَايَة وَقد أخبر الله فِي كِتَابه أَن الأَرْض تشرق بِنور رَبهَا فَإِذا كَانَت تشرق من نوره كَيفَ لَا يكون هُوَ نورا وَلَا يجوز أَن يكون هَذَا النُّور الْمُضَاف إِلَيْهِ إِضَافَة خلق وَملك واصطفاء كَقَوْلِه ﴿نَاقَة الله﴾ وَنَحْو ذَلِك من الْوُجُوه
أَحدهَا أَن النُّور لم يضف قطّ إِلَى الله إِذا كَانَ صفة لأعيان قَائِمَة فَلَا يُقَال فِي المصابيح إِنَّهَا نور الله وَلَا فِي الشَّمْس وَالْقَمَر وَإِنَّمَا يُقَال كَمَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود إِن ربكُم لَيْسَ عِنْده ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَاوَات من نور وَجهه وَفِي الدُّعَاء الْمَأْثُور عَن النَّبِي ﷺ
أعوذ بِنور وَجهك الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
الثَّانِي أَن الْأَنْوَار المخلوقة كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر تشرق لَهَا الأَرْض فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ من نور إِلَّا هُوَ خلق من خلق الله وَكَذَلِكَ من قَالَ منور السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَا يُنَافِي أَنه نور وكل
منور نور فهما متلازمان ثمَّ إِن الله تَعَالَى ضرب مثل نوره الَّذِي فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ بِالنورِ الَّذِي فِي الْمِصْبَاح وَهُوَ فِي نَفسه نور وَهُوَ منور لغيره فَإِذا كَانَ نوره فِي الْقُلُوب هُوَ نور وَهُوَ منور فَهُوَ فِي نَفسه أَحَق بذلك وَقد علم أَن كل مَا هُوَ نور فَهُوَ منور
وَأما قَول من قَالَ مَعْنَاهُ منور السَّمَاوَات بالكواكب فَهَذَا إِن أَرَادَ بِهِ قَائِله أَن ذَلِك من معنى كَونه نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَيْسَ لَهُ معنى إِلَّا هَذَا فَهُوَ مُبْطل لِأَن الله أخبر أَنه نور السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْكَوَاكِب لَا يحصل نورها فِي جَمِيع السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ