دقائق التفسير — ابن تيمية
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٥٥﴾
فَهَذَا حق كَمَا أخبر الله بِهِ فَمن اتبع الْمَسِيح ﵇ جعله الله فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ الَّذين اتَّبعُوهُ على دينه الَّذِي لم يُبدل قد جعلهم الله فَوق الْيَهُود أَيْضا فالنصارى فَوق الْيَهُود الَّذين كفرُوا بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأما الْمُسلمُونَ فهم مُؤمنُونَ بِهِ لَيْسُوا كَافِرين بِهِ بل لما بدل النَّصَارَى دينه وَبعث الله مُحَمَّدًا ﷺ بدين الله الَّذِي بعث بِهِ الْمَسِيح وَغَيره من الْأَنْبِيَاء جعل الله مُحَمَّدًا وَأمته فَوق النَّصَارَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِنَّا معاشر
الْأَنْبِيَاء دينا وَاحِد وَإِن أولى النَّاس بِابْن مَرْيَم لأَنا لِأَنَّهُ لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي
قَالَ تَعَالَى
وَهُوَ ينزل إِلَى الأَرْض قبل يَوْم الْقِيَامَة وَيَمُوت حِينَئِذٍ أخبر الْآيَة الزخرف الْآيَات ٥٩ ٦٥
فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
يُوشك أَن ينزل فِيكُم ابْن مَرْيَم حكما عدلا وإماما مقسطا فيكسر الصَّلِيب وَيقتل الْخِنْزِير وَيَضَع الْجِزْيَة
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم وَإِن الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ لفي شكّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا بل رَفعه الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ بَيَان أَن الله رَفعه حَيا وَسلمهُ من الْقَتْل وَبَين أَنهم يُؤمنُونَ بِهِ قبل أَن يَمُوت
وَكَذَلِكَ قَوْله
وَلَو مَاتَ لم يكن فرق بَينه وَبَين غَيره
معنى التوفي
وَلَفظ التوفي فِي لُغَة الْعَرَب مَعْنَاهُ الِاسْتِيفَاء وَالْقَبْض وَذَلِكَ ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحدهَا توفّي النّوم وَالثَّانِي توفّي الْمَوْت وَالثَّالِث توفّي الرّوح وَالْبدن جَمِيعًا فَإِنَّهُ بذلك خرج عَن حَال أهل الأَرْض الَّذين يَحْتَاجُونَ إِلَى الْأكل وَالشرب واللباس وَيخرج مِنْهُم الْغَائِط وَالْبَوْل والمسيح ﵇ توفاه الله وَهُوَ فِي السَّمَاء الثَّانِيَة إِلَى أَن ينزل إِلَى الأَرْض لَيست حَاله كحالة أهل الأَرْض فِي الْأكل وَالشرب واللباس وَالنَّوْم وَالْغَائِط وَالْبَوْل وَنَحْو ذَلِك
الْوَجْه الثَّالِث قَوْلهم إِنَّه عَنى بِمَوْتِهِ عَن موت الناسوت كَانَ يَنْبَغِي لَهُم أَن يَقُولُوا على أصلهم عَنى بتوفيته عَن توفّي الناسوت وَسَوَاء قيل مَوته أَو توفيته فَلَيْسَ هُوَ شَيْئا غير الناسوت فَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء غَيره لم يتوف الله تَعَالَى قَالَ
فالمتوفى هُوَ الْمَرْفُوع إِلَى الله وَقَوْلهمْ إِن الْمَرْفُوع هُوَ اللاهوت مُخَالف لنَصّ الْقُرْآن وَلَو كَانَ هُنَاكَ موت فَكيف إِذا لم يكن فَإِنَّهُم جعلُوا الْمَرْفُوع غير الْمُتَوفَّى وَالْقُرْآن أخبر أَن الْمَرْفُوع هُوَ الْمُتَوفَّى
وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ هُوَ تَكْذِيب للْيَهُود فِي قَوْلهم
فَلَو كَانَ الْمَرْفُوع هُوَ اللاهوت لَكَانَ رب الْعَالمين قَالَ لنَفسِهِ أَو لكلمته ﴿ورافعك إِلَيّ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله