×
آل عمرانالآية ١٩٩

دقائق التفسير — ابن تيمية

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿١٩٩﴾

وَقد ذكر أَكثر الْعلمَاء أَن هَذِه الْآيَة الْأُخْرَى فِي آل عمرَان نزلت فِي النَّجَاشِيّ وَنَحْوه مِمَّن آمن بِالنَّبِيِّ ﷺ لكنه لم تمكنه الْهِجْرَة إِلَى النَّبِي ﷺ وَلَا الْعَمَل بشرائع الْإِسْلَام لكَون أهل بَلَده نَصَارَى لَا يوافقونه على إِظْهَار شرائع الْإِسْلَام وَقد قيل إِن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا صلى عَلَيْهِ لما مَاتَ لأجل هَذَا فَإِنَّهُ لم يكن هُنَاكَ من يظْهر الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي جمَاعَة كَثِيرَة ظَاهِرَة كَمَا يُصَلِّي الْمُسلمُونَ على جنائزهم وَلِهَذَا جعل من أهل الْكتاب مَعَ كَونه آمنا بِالنَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَة من يُؤمن بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي بِلَاد الْحَرْب وَلَا يتَمَكَّن من الْهِجْرَة إِلَى دَار الْإِسْلَام وَلَا يُمكنهُ الْعَمَل بشرائع الاسلام الظَّاهِرَة بل يعْمل مَا يُمكنهُ وَيسْقط عَنهُ مَا يعجز عَنهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذكره ابْن أبي حَاتِم وَغَيره باسانيدهم وَذكر حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ اسْتَغْفرُوا لأخيكم النَّجَاشِيّ فَذكر مثله وَكَذَلِكَ ذكر طَائِفَة من الْمُفَسّرين عَن جَابر وَابْن عَبَّاس وَأنس وَقَتَادَة أَنهم قَالُوا نزلت هَذِه الْآيَة فِي النَّجَاشِيّ ملك الْحَبَشَة واسْمه أَصْحَمَة وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّة وَذَلِكَ أَنه لما مَاتَ نعاه جِبْرِيل للنَّبِي ﷺ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لأَصْحَابه اخْرُجُوا فصلوا على أَخ لكم مَاتَ بِغَيْر أَرْضكُم فَقَالُوا وَمن هُوَ قَالَ النَّجَاشِيّ فَخرج رَسُول الله ﷺ إِلَى البقيع وَزَاد بَعضهم وكشف لَهُ من الْمَدِينَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة فأبصر سَرِير النَّجَاشِيّ وَصلى عَلَيْهِ وَكبر أَربع تَكْبِيرَات واستغفر لَهُ وَقَالَ لأَصْحَابه اسْتَغْفرُوا لَهُ فَقَالَ المُنَافِقُونَ أبصروا الى هَذَا يُصَلِّي على علج حبشِي نَصْرَانِيّ لم يره قطّ وَلَيْسَ على دينه فَأنْزل الله تَعَالَى وَقد ذهبت طَائِفَة من الْعلمَاء إِلَى أَنَّهَا نزلت فِيمَن كَانَ على دين الْمَسِيح ﵇ إِلَى أَن بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ فَآمن بِهِ كَمَا نقل ذَلِك عَن عَطاء وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنَّهَا نزلت فِي مؤمني أهل الْكتاب كلهم وَالْقَوْل الأول أَجود فَإِن من آمن بِمُحَمد ﷺ وَأظْهر الْإِيمَان بِهِ وَهُوَ من أهل دَار الْإِسْلَام يعْمل بِمَا يعمله الْمُسلمُونَ ظَاهرا وَبَاطنا فَهَذَا من الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَ قبل ذَلِك مُشْركًا يعبد الْأَوْثَان فَكيف إِذا كَانَ كتابيا وَهَذَا مثل عبد الله بن سَلام وسلمان الْفَارِسِي وَغَيرهمَا وَهَؤُلَاء لَا يُقَال إِنَّهُم من أهل الْكتاب كَمَا لَا يُقَال فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار إِنَّهُم من الْمُشْركين وَعباد الْأَوْثَان وَلَا يُنكر أحد من الْمُنَافِقين وَلَا غَيرهم أَن يُصَلِّي على وَاحِد مِنْهُم بِخِلَاف من هُوَ فِي الظَّاهِر مِنْهُم وَفِي الْبَاطِن من الْمُؤمنِينَ وَفِي بِلَاد النَّصَارَى من هَذَا النَّوْع خلق كثير يكتمون إِيمَانهم إِمَّا مُطلقًا وَإِمَّا يكتمونه عَن الْعَامَّة ويظهرونه لخاصتهم وَهَؤُلَاء قد يتناولهم قَوْله تَعَالَى الْآيَة فَهَؤُلَاءِ لَا يدعونَ الْإِيمَان بِكِتَاب الله وَرَسُوله لأجل مَال يأخذونه كَمَا يفعل كثير من الْأَحْبَار والرهبان الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ ويصدونهم عَن سَبِيل الله فيمنعونهم من الْإِيمَان بِمُحَمد ﷺ وَأما قَوْله ﴿من أهل الْكتاب أمة قَائِمَة يَتلون آيَات الله آنَاء اللَّيْل وهم يَسْجُدُونَ يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويسارعون فِي الْخيرَات وَأُولَئِكَ من الصَّالِحين﴾ فَهَذِهِ الْآيَة تتَنَاوَل الْيَهُود أقوى مِمَّا تتَنَاوَل النَّصَارَى وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى