دقائق التفسير — ابن تيمية
وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿١٩٢﴾
إِلَى قَوْله ﴿هَل أنبئكم على من تنزل الشَّيَاطِين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السّمع وَأَكْثَرهم كاذبون وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ ألم تَرَ أَنهم فِي كل وَاد يهيمون وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ سُورَة الشُّعَرَاء ١٩٢ ٢٢٦
فَهَذَا مِمَّا بَين الله بِهِ الْفرق بَين الكاهن وَالنَّبِيّ وَبَين الشَّاعِر وَالنَّبِيّ لما زعم المفترون أَن مُحَمَّدًا ﷺ شَاعِر وكاهن وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة ﵂
أَن النَّبِي ﷺ لما أَتَاهُ الْوَحْي فِي أول الْأَمر وَخَافَ على نَفسه قبل أَن يستيقن أَنه ملك قَالَ لِخَدِيجَة لقد خشيت على نَفسِي قَالَت كلا وَالله لَا يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتصدق الحَدِيث وَتحمل الْكل وتقري الضَّيْف وتكسب الْمَعْدُوم وَتعين على نَوَائِب الْحق فاستدلت ﵂ بِحسن عقلهَا على أَن من يكون الله قد خلقه بِهَذِهِ الْأَخْلَاق الْكَرِيمَة الَّتِي هِيَ من أعظم صِفَات الْأَبْرَار الممدوحين أَنه لَا يخزيه فَيفْسد الشَّيْطَان عقله وَدينه وَلم يكن مَعهَا قبل ذَلِك وَحي تعلم بِهِ انْتِفَاء ذَلِك بل عَلمته بِمُجَرَّد عقلهَا الرَّاجِح
وَكَذَلِكَ لما ادّعى النُّبُوَّة من ادَّعَاهَا من الْكَذَّابين مثل مُسَيْلمَة الْكذَّاب والعنسي وَغَيرهمَا مَعَ مَا كَانَ يشْتَبه من أَمرهم لما كَانَ ينزل عَلَيْهِم من الشَّيْطَان ويوحون إِلَيْهِم
حَتَّى يظنّ الْجَاهِل أَن هَذَا من جنس مَا ينزل على الْأَنْبِيَاء ويوحى إِلَيْهِم فَكَانَ مَا يبلغ الْعُقَلَاء وَمَا يرونه من سيرتهم وَالْكذب الْفَاحِش وَالظُّلم وَنَحْو ذَلِك يبين لَهُم أَنه لَيْسَ بِنَبِي إِذْ قد علمُوا أَن النَّبِي لَا يكون كَاذِبًا وَلَا فَاجِرًا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ لما قَالَ لَهُ ذُو الْخوَيْصِرَة اعْدِلْ يَا مُحَمَّد فَإنَّك لم تعدل فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ
لقد خبت وخسرت إِن لم أعدل أَلا تأمنوني وَأَنا أَمِين من فِي السَّمَاء وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِالْفَتْح أَي أَنْت خاسر خائب إِن لم أعدل إِن ظَنَنْت أَنِّي ظَالِم مَعَ اعتقادك أَنِّي نَبِي فَإنَّك تجوز أَن يكون الرَّسُول الَّذِي آمَنت بِهِ ظَالِما وَهَذَا خيبة وخسران فَإِن ذَلِك يُنَافِي النُّبُوَّة ويقدح فِيهَا
وَقد قَالَ تَعَالَى
فَجمع بَين قَوْله ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ وَبَين قَوْله
والضميران عائدان إِلَى وَاحِد فَلَو كَانَ الرَّسُول أحدثه وأنشأه لم يكن تَنْزِيلا من رب الْعَالمين بل كَانَ يكون تَنْزِيلا من الرَّسُول وَمن جعل الضَّمِير فِي هَذَا عَائِدًا إِلَى غير مَا يعود إِلَيْهِ الضَّمِير الآخر مَعَ أَنه لَيْسَ فِي الْكَلَام مَا يَقْتَضِي اخْتِلَاف الضميرين وَمن قَالَ أَن هَذَا عبارَة عَن كَلَام الله فَقل لَهُ هَذَا الَّذِي تَقْرَأهُ أهوَ عبارَة عَن الْعبارَة الَّتِي أحدثها الرَّسُول الْملك أَو الْبشر على زعمك أم هُوَ نفس تِلْكَ الْعبارَة فَإِن جعلت هَذَا عبارَة عَن تِلْكَ الْعبارَة جَازَ أَن تكون عبارَة جِبْرِيل أَو الرَّسُول عبارَة عَن عبارَة الله وَحِينَئِذٍ فَيبقى النزاع لفظيا فَإِنَّهُ مَتى قَالَ إِن مُحَمَّدًا سَمعه من جِبْرِيل جَمِيعه وَجِبْرِيل سَمعه من الله جَمِيعه والمسلمون سَمِعُوهُ من الرَّسُول جَمِيعه فقد قَالَ الْحق وَبعد هَذَا فَقَوله عبارَة لأجل التَّفْرِيق بَين التَّبْلِيغ والمبلغ عَنهُ كَمَا سنبينه
وَإِن قلت لَيْسَ هَذَا عبارَة عَن تِلْكَ الْعبارَة بل هُوَ نفس تِلْكَ الْعبارَة فقد جعلت مَا يسمع من الْمبلغ هُوَ بِعَيْنِه مَا يسمع من الْمبلغ عَنهُ إِذْ جعلت هَذِه الْعبارَة هِيَ بِعَينهَا عبارَة جِبْرِيل فَحِينَئِذٍ هَذَا يبطل أصل قَوْلك
وَاعْلَم أَن أصل القَوْل بالعبارة أَن أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن سعيد بن كلاب هُوَ أول من قَالَ فِي الْإِسْلَام إِن معنى الْقُرْآن كَلَام الله وحروفه لَيست كَلَام الله فَأخذ بِنصْف قَول الْمُعْتَزلَة وَنصف قَول أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَكَانَ قد ذهب إِلَى إِثْبَات الصِّفَات لله تَعَالَى
وَخَالف الْمُعْتَزلَة فِي ذَلِك وَأثبت الْعُلُوّ لله على الْعَرْش ومباينة الْمَخْلُوقَات وَقرر ذَلِك تقريرا هُوَ أكمل من تَقْرِير أَتْبَاعه بعده وَكَانَ النَّاس قد تكلمُوا فِيمَن بلغ كَلَام غَيره هَل يُقَال لَهُ حِكَايَة عَنهُ أم لَا وَأكْثر الْمُعْتَزلَة قَالُوا هُوَ حِكَايَة عَنهُ فَقَالَ ابْن كلاب الْقُرْآن الْعَرَبِيّ حِكَايَة عَن كَلَام الله لَيْسَ بِكَلَام الله
فجَاء بِعَهْد أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فسلك مسلكه فِي إِثْبَات أَكثر الصِّفَات وَفِي مَسْأَلَة الْقُرْآن أَيْضا واستدرك عَلَيْهِ قَوْله أَن هَذَا حِكَايَة وَقَالَ الْحِكَايَة إِنَّمَا تكون مثل المحكي فَهَذَا يُنَاسب قَول الْمُعْتَزلَة وَإِنَّمَا يُنَاسب قَوْلنَا أَن نقُول هُوَ عبارَة عَن كَلَام الله لِأَن الْكَلَام لَيْسَ من جنس الْعبارَة فَأنْكر أهل السّنة وَالْجَمَاعَة عَلَيْهِم عدَّة أُمُور
أَحدهَا قَوْلهم إِن الْمَعْنى كَلَام الله وَإِن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ لَيْسَ كَلَام الله وَكَانَت الْمُعْتَزلَة تَقول هُوَ كَلَام الله وَهُوَ مَخْلُوق فَقَالَ هَؤُلَاءِ هُوَ مَخْلُوق وَلَيْسَ بِكَلَام الله لِأَن من أصُول أهل السّنة أَن الصّفة إِذا قَامَت بِمحل عَاد حكمهَا على ذَلِك الْمحل فَإِذا قَامَ الْكَلَام بِمحل كَانَ هُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ كَمَا أَن الْعلم وَالْقُدْرَة إِذا قاما بِمحل كَانَ هُوَ الْعَالم الْقَادِر وَكَذَلِكَ الْحَرَكَة وَهَذَا مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ على الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم من الْجَهْمِية فِي قَوْلهم إِن كَلَام الله مَخْلُوق خلقه فِي بعض الْأَجْسَام قَالُوا لَهُم لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْكَلَام كَلَام ذَلِك الْجِسْم الَّذِي خلقه فِيهِ فَكَانَت الشَّجَرَة هِيَ القائلة