دقائق التفسير — ابن تيمية
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْغَٰفِلَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ لُعِنُوا۟ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿٢٣﴾
فِي طرده الْكَلَام على مَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْآيَة وَغَيرهَا فَقَالَ وَأما الْجَواب الْمفصل فَمن ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَن هَذِه الْآيَة فِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ خَاصَّة فِي قَول كثير من أهل الْعلم فروى هشيم عَن الْعَوام بن حَوْشَب ثَنَا شيخ من بني كَاهِل قَالَ فسر ابْن عَبَّاس سُورَة النُّور فَلَمَّا أَتَى على هَذِه الْآيَة
إِلَى آخر الْآيَة قَالَ هَذِه فِي شَأْن عَائِشَة وَأَزْوَاج النَّبِي ﷺ خَاصَّة وَهِي مُبْهمَة لَيْسَ فِيهَا تَوْبَة وَمن قذف امْرَأَة مُؤمنَة فقد جعل الله لَهُ تَوْبَة ثمَّ قَرَأَ
نزلت فِي عَائِشَة خَاصَّة واللعنة فِي الْمُنَافِقين عَامَّة فقد بَين ابْن عَبَّاس أَن هَذِه الْآيَة إِنَّمَا نزلت فِيمَن يقذف عَائِشَة وَأُمَّهَات الْمُؤمنِينَ لما فِي قذفهن من الطعْن على رَسُول الله ﷺ وعيبه فَإِن قذف الْمَرْأَة أَذَى لزَوجهَا كَمَا هُوَ أَذَى لابنها لِأَنَّهُ نِسْبَة لَهُ إِلَى الدياثة وَإِظْهَار لفساد فرَاشه فَإِن زنا امْرَأَته يُؤْذِيه أَذَى عَظِيما وَلِهَذَا جوز لَهُ الشَّارِع أَن يقذفها إِذا زنت وَدَرَأَ الْحَد عَنهُ بِاللّعانِ وَلم يبح لغيره أَن يقذف امْرَأَة بِحَال
وَلَعَلَّ مَا يلْحق بعض النَّاس من الْعَار والخزي بِقَذْف أَهله أعظم مِمَّا يلْحقهُ لَو كَانَ هُوَ الْمَقْذُوف وَلِهَذَا ذهب الإِمَام أَحْمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ المنصوصتين عَنهُ إِلَى أَن من قذف امْرَأَة غير مُحصنَة كالأمة والذمية وَلها زوج أَو ولد مُحصن حد لقذفها لما ألحقهُ من الْعَار بِوَلَدِهَا وَزوجهَا المحصنين وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنهُ وَهِي قَول الْأَكْثَرين أَنه لَا حد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَذَى لَهما لَا قذف لَهما وَالْحَد التَّام إِنَّمَا يجب بِالْقَذْفِ وَفِي جَانب النَّبِي ﷺ بِعَيْب أَزوَاجه فَهُوَ مُنَافِق وَهَذَا معنى قَول ابْن عَبَّاس اللَّعْنَة فِي الْمُنَافِقين عَامَّة
وَقد وَافق ابْن عَبَّاس جمَاعَة فروى الإِمَام أَحْمد والأشج عَن خصيف قَالَ سَأَلت سعيد بن جُبَير فَقلت الزِّنَا أَشد أَو قذف المحصنة قَالَ لَا بل الزِّنَا قَالَ قلت فَإِن الله تَعَالَى يَقُول
فَقَالَ إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي عَائِشَة خَاصَّة وروى أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن أبي الجوزاء فِي هَذِه الْآيَة
قَالَ هَذِه الْآيَة لأمهات الْمُؤمنِينَ خَاصَّة وروى الْأَشَج بِإِسْنَادِهِ عَن الضَّحَّاك فِي هَذِه الْآيَة قَالَ هن نسَاء النَّبِي ﷺ وَقَالَ معمر عَن الْكَلْبِيّ إِنَّمَا عَنى بِهَذِهِ الْآيَة أَزوَاج النَّبِي ﷺ فَأَما من رمى امْرَأَة من الْمُسلمين فَهُوَ فَاسق كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَو يَتُوب﴾
وَوجه هَذَا أَن لعنة الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَا تستوجب بِمُجَرَّد الْقَذْف فَتكون اللَّام فِي قَوْله
لتعريف الْمَعْهُود والمعهود هُنَا أَزوَاج النَّبِي ﷺ لِأَن الْكَلَام فِي قصَّة الْإِفْك وَوُقُوع من وَقع فِي أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة أَو يقصر اللَّفْظ الْعَام على سَببه للدليل الَّذِي يُوجب ذَلِك وَيُؤَيّد هَذَا القَوْل أَن الله سُبْحَانَهُ رتب هَذَا الْوَعْد على قذف محصنات غافلات مؤمنات وَقَالَ فِي أول السُّورَة
الْآيَة وَعَن عمر بن قيس قَالَ قذف المحصنة يحبط عمل تسعين سنة رَوَاهَا الأشنج وَهَذَا قَول كثير من النَّاس وَوَجهه ظَاهر الْخطاب فَإِنَّهُ عَام فَيجب إجراؤه على عُمُومه إِذْ لَا مُوجب لخصوصه وَلَيْسَ هُوَ مُخْتَصًّا بِنَفس السَّبَب بالِاتِّفَاقِ لِأَن حكم غير عَائِشَة من أَزوَاج النَّبِي ﷺ دَاخل فِي الْعُمُوم وَلَيْسَ هُوَ من السَّبَب وَلِأَنَّهُ لفظ جمع وَالسَّبَب فِي وَاحِدَة هُنَا وَلِأَن قصر عمومات الْقُرْآن على أَسبَاب نُزُولهَا بَاطِل فَإِن عَامَّة الْآيَات نزلت بِأَسْبَاب اقْتَضَت ذَلِك وَقد علم أَن شَيْئا مِنْهَا لم يقصر على سَببه وَالْفرق بَين الْآيَتَيْنِ أَنه فِي أول السُّورَة ذكر الْعُقُوبَات الْمَشْرُوعَة على أَيدي الْمُكَلّفين من الْجلد ورد الشَّهَادَة والتفسيق وَهنا ذكر الْعقُوبَة الْوَاقِعَة من الله سُبْحَانَهُ وَهِي اللَّعْنَة فِي الدَّاريْنِ وَالْعَذَاب الْعَظِيم وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من غير وَجه عَن أَصْحَابه أَن قذف الْمُحْصنَات من الْكَبَائِر وَفِي لفظ فِي الصَّحِيح قذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات
ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ أَبُو حَمْزَة الثمالِي بلغنَا أَنَّهَا نزلت فِي مُشْركي أهل مَكَّة إِذْ كَانَ بَينهم وَبَين رَسُول الله ﷺ عهد فَكَانَت الْمَرْأَة إِذا خرجت إِلَى رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة
مهاجرة قَذفهَا الْمُشْركُونَ من أهل مَكَّة وَقَالُوا إِنَّهَا خرجت تفجر فعلى يكون يكون فِيمَن قذف الْمُؤْمِنَات قذفا يصدهن بِهِ عَن الْإِيمَان ويقصد بذلك ذمّ الْمُؤمنِينَ لينفر النَّاس عَن الْإِسْلَام كَمَا فعل كَعْب بن الْأَشْرَف وعَلى هَذَا فَمن فعل ذَلِك فَهُوَ كَافِر وَهُوَ بِمَنْزِلَة من سبّ النَّبِي ﷺ
وَقَوله إِنَّهَا نزلت زمن الْعَهْد يَعْنِي وَالله أعلم أَنه عَنى بهَا مثل أُولَئِكَ الْمُشْركين المعاهدين وَإِلَّا فَهَذِهِ الْآيَة نزلت ليَالِي الْإِفْك فِي غَزْوَة بني المصطلق قبل الخَنْدَق والهدنة كَانَت بعد ذَلِك بِسنتَيْنِ
وَمِنْهُم من أجراها على ظَاهرهَا وعمومها لِأَن سَبَب نُزُولهَا قذف عَائِشَة وَكَانَ فِيمَن قَذفهَا مُؤمن ومنافق وَسبب النُّزُول لَا بُد أَن ينْدَرج فِي الْعُمُوم وَلِأَنَّهُ لَا مُوجب لتخصيصها وَالْجَوَاب على هَذَا التَّقْدِير أَنه سُبْحَانَهُ قَالَ هُنَا ﴿لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ على بِنَاء الْفِعْل للْمَفْعُول وَلم يسم اللاعن وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى