دقائق التفسير — ابن تيمية
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿٥٢﴾
فقد ضمن الله للرسول وَلِلنَّبِيِّ أَن ينْسَخ مَا يلقِي الشَّيْطَان فِي أمْنِيته وَلم يضمن ذَلِك للمحدث وَلِهَذَا كَانَ فِي الْحَرْف الآخر الَّذِي كَانَ يقْرَأ بِهِ ابْن عَبَّاس وَغَيره وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي وَلَا مُحدث إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته
وَيحْتَمل وَالله أعلم أَن لَا يكون هَذَا الْحَرْف متلوا حَيْثُ لم يضمن نسخ مَا ألْقى الشَّيْطَان فِي أُمْنِية الْمُحدث فَإِن نسخ مَا ألْقى الشَّيْطَان لَيْسَ إِلَّا للأنبياء وَالْمُرْسلِينَ إِذْ هم معصومون فِيمَا يبلغونه عَن الله تَعَالَى أَن يسْتَقرّ فِيهِ شَيْء من إِلْقَاء الشَّيْطَان وَغَيرهم لَا تجب عصمته من ذَلِك وَإِن كَانَ من أَوْلِيَاء الله الْمُتَّقِينَ فَلَيْسَ من شَرط أَوْلِيَاء الله الْمُتَّقِينَ أَن لَا يَكُونُوا مخطئين فِي بعض الْأَشْيَاء خطأ مغفورا لَهُم بل وَلَا من شرطهم ترك الصَّغَائِر مُطلقًا بل وَلَا من شرطهم ترك الْكَبَائِر أَو الْكفْر الَّذِي تعقبه التَّوْبَة
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون لَهُم مَا يشاؤون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ﴾ فقد وَصفهم الله بِأَنَّهُم هم المتقون والمتقون هم أَوْلِيَاء
الله وَمَعَ هَذَا فَأخْبر أَنه يكفر عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا وَهَذَا أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل الْعلم وَالْإِيمَان
وَإِنَّمَا يُخَالف فِي ذَلِك الغالية من الرافضة وَأَشْبَاه الرافضة من الغالية فِي بعض المشائخ وَمن يَعْتَقِدُونَ أَنه من الْأَوْلِيَاء فالرافضة تزْعم أَن الأثني عشر معصومون من الْخَطَأ والذنب ويرون هَذَا من أصُول دينهم والغالية فِي المشائخ قد يَقُولُونَ إِن الْوَلِيّ مَحْفُوظ وَالنَّبِيّ مَعْصُوم وَكثير مِنْهُم إِن لم يقل ذَلِك بِلِسَانِهِ وَقد بلغ الغلو بالطائفتين إِلَى أَن يجْعَلُوا بعض من غلوا فِيهِ بِمَنْزِلَة النَّبِي وَأفضل مِنْهُ وَإِن زَاد الْأَمر جعلُوا لَهُ نوعا من الإلهية وكل هَذَا من الضلالات الْجَاهِلِيَّة المضاهية للضلالات النَّصْرَانِيَّة فَإِن فِي النَّصَارَى من الغلو فِي الْمَسِيح والأحبار والرهبان مَا ذمهم الله عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن وَجعل ذَلِك عِبْرَة لنا لِئَلَّا نسلك سبيلهم وَلِهَذَا قَالَ سيد ولد آدم لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى عِيسَى ابْن مَرْيَم فَإِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله
هَذَا تَفْسِير آيَات أشكلت حَتَّى لَا يُوجد فِي طَائِفَة من كتب التَّفْسِير إِلَّا مَا هُوَ خطأ فِيهَا
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى