دقائق التفسير — ابن تيمية
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ ﴿٨٧﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض مِنْهُم من كلم الله وَرفع بَعضهم دَرَجَات وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات وأيدناه بِروح الْقُدس﴾
وَهَذَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بالمسيح بل قد أيد غَيره بذلك وَقد ذكرُوا هم أَنه قَالَ لداود روحك الْقُدس لَا تنْزع مني وَقد قَالَ نَبينَا ﷺ لحسان بن ثَابت
اللَّهُمَّ أيده بِروح الْقُدس
وَفِي لفظ روح الْقُدس مَعَك مَا دمت تنافح عَن نبيه
وكلا اللَّفْظَيْنِ فِي الصَّحِيح
وَعند النَّصَارَى أَن الحواريين حلت فيهم روح الْقُدس وَكَذَلِكَ عِنْدهم روح الْقُدس حدث فِي جَمِيع الْأَنْبِيَاء
وَقد قَالَ تَعَالَى سُورَة النَّحْل الْآيَات ٩٨ ١٠٢
وَقد قَالَ تَعَالَى فِي مَوضِع آخر
وَلم يقل أحد أَن المُرَاد بذلك حَيَاة الله وَلَا اللَّفْظ يدل على ذَلِك وَلَا اسْتعْمل فِيهِ وهم إِمَّا أَن يسلمُوا أَن روح الْقُدس فِي حق غَيره لَيْسَ المُرَاد بهَا حَيَاة الله فَإِذا ثَبت أَن لَهَا معنى غير الْحَيَاة فَلَو اسْتعْمل فِي حَيَاة الله أَيْضا لم يتَعَيَّن أَن يُرَاد بهَا ذَلِك فِي حق الْمَسِيح فَكيف وَلم يسْتَعْمل فِي حَيَاة الله فِي حق الْمَسِيح وَإِمَّا أَن يدعوا أَن المُرَاد بهَا حَيَاة الله فِي حق الْأَنْبِيَاء والحواريين فَإِن قَالُوا ذَلِك لَزِمَهُم أَن يكون اللاهوت حَالا فِي جَمِيع الْأَنْبِيَاء والحواريين وَحِينَئِذٍ فَلَا فرق بَين هَؤُلَاءِ وَبَين الْمَسِيح
ويلزمهم أَيْضا أَن يكون فِي الْمَسِيح لاهوتان لاهوت الْكَلِمَة ولاهوت الرّوح فَيكون قد اتَّحد بِهِ أقنومان ثمَّ فِي قَوْله تَعَالَى
يمْتَنع أَن يُرَاد بهَا حَيَاة الله فَإِن حَيَاة الله صفة قَائِمَة بِذَاتِهِ لَا تقوم بِغَيْرِهِ وَلَا تخْتَص بِبَعْض الموجودات غَيره وَأما عِنْدهم فالمسيح هُوَ الله الْخَالِق فَكيف يُؤَيّد بِغَيْرِهِ وَأَيْضًا فالمتحد بالمسيح هُوَ الْكَلِمَة دون الْحَيَاة فَلَا يَصح تأييده بهَا
فَتبين أَنهم يُرِيدُونَ أَن يحرفوا الْقُرْآن كَمَا حرفوا غَيره من الْكتب الْمُتَقَدّمَة وَأَن كَلَامهم فِي تَفْسِير الْمُتَشَابه من الْكتب الإلهية من جنس وَاحِد
فصل عِيسَى عبد الله وَرَسُوله
قَالَ تَعَالَى سُورَة الْبَقَرَة الْآيَة ٨٧
فَأخْبر عَن الْمَسِيح أَنه لم يقل لَهُم إِلَّا مَا أمره الله بِهِ بقوله أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم وَكَانَ عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دَامَ فيهم وَبعد وَفَاته كَانَ الله الرَّقِيب عَلَيْهِم فَإِذا كَانَ بَعضهم قد
غلط فِي النَّقْل عَنهُ أَو فِي تَفْسِير كَلَامه أَو تعمد تَغْيِير دينه لم يكن على الْمَسِيح ﵇ من ذَلِك دَرك وَإِنَّمَا هُوَ رَسُول عَلَيْهِ الْبَلَاغ الْمُبين
وَقد أخبر الله سُبْحَانَهُ أَن أول مَا تكلم بِهِ الْمَسِيح أَن قَالَ ﴿إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا وَبرا بوالدتي وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا﴾
ثمَّ طلب لنَفسِهِ السَّلَام فَقَالَ